( الطريق الطويل لا يختبر الأقدام وحدها)
بعد أيامٍ من السير المتواصل في عمق الصحراء الشرقية، بدأت الأرض تنكسر فجأة إلى وادٍ ضيّق، تحيط به صخور داكنة، قائمة كأعمدة حصنٍ قديم نُسي اسمه وبقي ظلّه.
كانت الرياح هنا أخف، لكن الهواء أثقل… كأن المكان يحتفظ بما مرّ به.
في نهاية الوادي، ظهرت قرية هَوْدَر.
قرية صغيرة، بيوتها من طينٍ تشقّق بفعل الزمن، وأسقفها واطئة، لكن الحياة فيها لم تنطفئ بفضل نبع العابرين؛ جدول ماءٍ ضيّق يشقّ القرية ويمنحها سببًا للبقاء.
دخلت القافلة القرية متعبة.
الوجوه شاحبة، الأكتاف مثقلة، والجمال تسير بخطى بطيئة كأنها تفرغ ما تبقّى في أرواحها. استأجروا موضعًا ضيقًا للنوم، وتركوا العتاد جانبًا، لأول مرة منذ أيام دون خوفٍ مباشر.
لكن التعب… لا يهدّئ النفوس دائمًا.
أحيانًا، يفتح ما أُغلق طويلًا.
مع اقتراب المساء، جلس الرجال قرب الينبوع.
الماء البارد لامس الشفاه، لكن شيئًا آخر بدأ يغلي.
كان قَيدان واقفًا، يرسم بقدمه خطًا في التراب، بينما سامر يتحدث بنبرة صارمة، ونباليان يراقب الأرض بعين رامي لا تنام.
قال نباليان:
"بعد هَوْدر، علينا عبور وادي الحصى الأحمر. الطريق أقصر… ونخرج منه قبل أن يلتهمنا الحر."
رفع سامر رأسه بحدة:
"أقصر لا يعني أأمن. الحصى الأحمر فخّ طبيعي، لا خيل فيه، ولا مجال للمناورة. الالتفاف شرقًا أطول… لكنه أنظف."
ردّ نباليان، وقد اشتدت نبرته:
"أنت ترى الطريق بعين الفارس… وأنا أراه بعين من يعرف أين يختبئ الموت."
تدخل قَيدان:
"وكلاكما ينسى أننا لسنا وحدنا في هذا القرار."
شدّ سولان حبله بعصبية وقال:
"أنتم تتجادلون وكأن القافلة بلا رأس. أين نَجّار؟ أين أرام؟"
ساد صمت ثقيل.
ابتسم ريحان ابتسامة خفيفة، وقال بصوتٍ هادئ لكنه نافذ:
"في قبيلتنا نقول: حين يعلو الصوت… يكون الرمل قد دخل العيون."
تحرك تافار خطوة إلى الأمام:
"كفى. لسنا هنا لنقيس من يعرف الطريق أكثر. لو رآنا عدو الآن… لضحك حتى الفجر."
لكن الشرارة كانت قد اشتعلت.
لم يكن الخلاف حول الطريق فقط، بل حول القيادة، حول من يثق بمن، وحول الخوف الذي بدأ يظهر في العيون.
شعرت مارانا بالخطر قبل أن ينفجر، فابتعدت بهدوء واتجهت نحو أرام.
وحين جاء…
لم يأتِ كقائد غاضب.
جلس بينهم، قرب الماء، دون سيف، دون درع.
رجلًا فقط.
قال أرام بصوته الهادئ:
"هل تعرفون لماذا أنتم هنا؟"
لم يُجب أحد.
نظر إلى الماء الجاري، ثم قال:
"لم أقل لكم هذا من قبل… لكن لا فائدة من الصمت الآن."
رفع رأسه، وعيناه تحملان ما لا يُقال:
"أنا فقدت كل شيء.
قبيلتي… أمي… زوجتي…
لم يتبقَّ لي سوى هذا الطريق."
خفض سامر رأسه.
أنزل نباليان سهمه ووضعه على الأرض.
وتوقفت الريح لحظة.
تابع أرام:
"أنتم لستم جنودي.
أنتم رجال اختارهم القدر… لا أنا.
ومن يصل معي إلى سبأ، لن يخرج كما دخل.
سيخرج رجلًا تصنعه الحياة مرة واحدة."
ساد صمت عميق، لا يقطعه سوى خرير الماء.
قال سامر أخيرًا:
"لو عرفنا هذا… لما اختلفنا."
وقال نباليان:
"لن أرفع صوتي أمام رجل خسر عالمه كله… وما زال واقفًا."
انطفأت النار… لكن الرماد بقي دافئًا.
وقبل أن يهبط الليل تمامًا، جاء تافار مسرعًا، صوته منخفض لكن وجهه مشدود:
"سيدي… رأيتُه."
تصلب أرام:
"من؟"
قال تافار:
"الرجل الذي كان في الخان… قبل أسابيع. نفس الوقفة. نفس الظل."
عاد الإحساس القديم.
الإحساس بأن الطريق ليس وحده من يراقبهم.
أُعطيت الأوامر فورًا.
نباليان راقب الأسطح،
سولان أطلق بارق في السماء،
مارانا أخفت ريمان داخل كوخٍ طيني،
وسِهام صارت تراقب الأرض بدل الوجوه.
عند الينبوع، انحنت سِهام فجأة:
"انظروا… هذا الأثر."
نصف قدم فقط.
خفيف… غير مكتمل.
قال سولان:
"بارق عاد بسرعة… هناك من كان قريبًا."
في تلك اللحظة، فهم الجميع أن الخطر لم يعد احتمالًا.
في الصباح، جمعوا المؤونة:
جلود ماء، حبوب مجففة، أعشاب طبية، وشيئًا من الصمت.
وقف أرام قبل الرحيل وقال:
"من الآن فصاعدًا…
نحن لا نسير فقط نحو سبأ.
نحن نسير نحو من يراقبنا."
ثم تحركت القافلة.
وخلفهم،
على قمة صخرية بعيدة…
وقف الرجل الغامض.
لم يتحرك.
لم يلوّح.
اكتفى بالمشاهدة.
وكان هذا كافيًا ليعرف أن النار…
لم تنطفئ بعد،
بل تنتظر الهواء المناسب.
