Cherreads

Chapter 25 - على تخوم سبأ

قبل أن تُرى المدن العظيمة، تُشعِر الداخلين إليها بثقلها… كأنها تختبر قلوبهم قبل أقدامهم.)

حين بلغت القافلة تخوم سبأ، لم تكن المدينة قد ظهرت بعد في الأفق، لكن حضورها كان طاغيًا في كل شيءٍ يحيط بهم. الهواء نفسه بدا مختلفًا؛ أثقل، أكثر انضباطًا، كأن الأرض هنا تعوّدت أن تُطاع. حتى الريح لم تكن تجري عبثًا، بل تمرّ كأنها تعرف أين تتوقف.

قبل البوابة الكبرى التي لا يدخل منها إلا من سُمِح له، امتدّت الخانات والاستراحات على جانبي الطريق، صفوفًا من الحجر والطين، كأنها مدينة خُلقت خصيصًا للانتظار. هنا تتوقف القوافل، تُعيد عدّ رجالها، تُخفّف أحمالها، وتُخفي ما لا يُقال قبل أن تُصاغ الأسباب الرسمية للدخول.

في هذا المكان، لا تُقاس الرحلات بعدد الأيام… بل بعدد الأذونات.

كان المشهد يعجّ بالحركة.

تجار من الشرق بعمائم خفيفة، تفوح منهم روائح التوابل قبل أن تُرى بضائعهم،

قوافل من الغرب محمّلة بالأقمشة والمعادن المصقولة،

ومن الشمال رجال بجلود سميكة وأسلحة لا تُعرض إلا لمن يفهم قيمتها.

أما الجنوب… فكان حاضرًا بصمته؛ بحرًا لا يأتي منه أحد، ولا يعود إليه شيء.

اتخذ أرام ورفاقه خانًا واسعًا في الطرف الأقرب للبوابة، ليكون مجلسهم المؤقت. أنزلوا الأحمال، وربطوا الدواب، وسمحوا لأنفسهم بساعات من الراحة الظاهرية، لكن القلق كان يسكن الوجوه.

فهنا لا تُراقَب الطرق فقط… بل تُراقَب النوايا،

ولا يُسأل القادم عمّا يحمل فحسب، بل عمّا ينوي أن يأخذه معه حين يخرج.

استعانوا بدليل من أهل المنطقة، رجلٍ متوسط العمر، حادّ النظرات، قليل الكلام، معروف بمعرفته الدقيقة بإجراءات سبأ الصارمة. جلس نَجّار معه، وبدأ يشرح سبب قدومهم.

قال إنهم قافلة تجارة،

جاؤوا لشراء توابل قادمة من الهند،

وبعض الأسلحة والمؤن،

وأن ما يحملونه من جواهر ومواد ثمينة يكفي للمقايضة.

كان الدليل يستمع، يهزّ رأسه أحيانًا، لكن عينيه لم تكونا ثابتتين. كان ينظر إلى أرام بين الحين والآخر، لا كمن يرى تاجرًا ينتظر صفقة… بل كمحارب يعرف كيف يخفي سيفه تحت ثوبٍ بسيط.

لم تُقنعه الأحاديث كلها.

كان يشعر أن هناك شيئًا أعمق من مجرد تجارة.

قال أخيرًا بنبرة لا تخلو من التحذير:

«الدخول إلى سبأ ليس سهلًا… ولا يُسمح بالكثرة.

ستة… أو سبعة على الأكثر.

والباقون ينتظرون هنا.»

ثم نهض، وأخبرهم أنه سيذهب لترتيب الإجراءات، وأن عودته ستُحدّد من يدخل ومن يبقى.

بعد ذهابه، اجتمع الرجال.

ساد الصمت لحظة، صمت ثقيل يشبه الوقوف على حافة قرارٍ لا رجعة فيه.

ثم بدأ الهمس، وتبادلت النظرات، وظهرت الأسئلة في العيون.

عندها تكلّم أرام.

قال بهدوءٍ لا يقبل المساومة إنه قرر من سيدخل معه إلى سبأ:

مارانا،

ريمان،

سِهام،

تافار،

سولان.

تفاجأ البعض.

تبادلت العيون نظرات الاستغراب، وسأل أحدهم عن السبب.

فأوضح أرام حجّته دون أن يكشف كل أوراقه:

سِهام قادرة على سماع ما لا يُقال، ورؤية ما يتعمّد الناس إخفاءه.

مارانا خبيرة بالأعشاب والتوابل، تعرف ما يُطلب وما يُمنع، ويصعب الشكّ في وجودها.

ريمان مرافقها، وظلهما معًا لا يثير الريبة.

أما سولان وتافار، فوجودهما ضروري لحمايته أثناء تنقله وبحثه داخل المدينة.

ثم التفت إلى نَجّار، وقال بصوتٍ أكثر هدوءًا، لكنه أثقل وقعًا:

«أنت تبقى هنا.

اعتنِ بالباقين.

لا تتحركوا حتى أعود.

هذه ليست رحلة تجارة… بل استطلاع.»

قبل نَجّار الأمر رغم ثقله.

كان يعلم أن أرام لا يتخذ قرارًا عبثًا، وأن ما لا يُقال أحيانًا أخطر مما يُقال.

لكن ما لم يفهمه أحد…

هو ما حدث بعد ذلك.

اقترب أرام من مارانا وتحدث معها على انفراد.

كان صوته منخفضًا، كلماته قليلة، لكن ملامحها تغيّرت أثناء الحديث، وكأنها سمعت أمرًا لم تكن تتوقعه، أو مسؤولية أثقل مما ظنّت أنها ستحمله.

ثم أخذ ريمان جانبًا، بعيدًا عن الجميع.

جلسا قرب جدار الخان، حيث الظلّ أطول من الضوء.

تحدثا طويلًا، أطول مما اعتادوا أن يروا أرام يتحدث مع أحد.

بدا على الطفل ثقل ما سمعه، لكنّه هزّ رأسه في النهاية موافقًا دون سؤال، كمن قَبِل دورًا لا يفهمه كاملًا… لكنه يشعر أنه كُتب له.

لم يعلم أحد بما قيل.

ولم يجرؤ أحد على السؤال.

عاد أرام بعدها إلى الجمع، هادئًا كما كان، بوجهٍ لا يكشف شيئًا، وكأن الحديثين لم يحدثا.

وبينما كانوا ينتظرون عودة الدليل،

كانت سبأ، خلف بوابتها المغلقة،

تتهيأ لاستقبال من لا يعلم بعد

إن كان سيخرج منها كما دخل…

أم سيترك جزءًا منه خلف جدرانها،

ولا يسترده أبدًا.

More Chapters