Cherreads

Chapter 25 - الفصل الثامن والعشرين :نداء الحب

الفصل الثامن والعشرون : نداء الحب 

في برج الأبد، حيث تلتقي العوالم الأربعة، لم يكن الزمن يتدفق كالنهر في العوالم الأخرى. كان هنا يتشكل كالبلورة، وجوه متعددة تعكس بعضها البعض، أبعاد تتداخل، لحظات تتزامن، ماضٍ وحاضر ومستقبل يلتقيان في نقطة واحدة. في قمة البرج، حيث تجتمع المرآة والنار والجليد والرمال، كان هناك قلب. قلب من ضوء نقي، نبضاته تتردد في كل عوالم الوجود، في كل نسخة من النسخ، في كل روح تعبت من العودة المتكررة.

وها هو ذاك القلب ينبض الآن بشكل مختلف.

ينبض للألم.

ينبض للفراق.

ينبض للحب الذي يختار التضحية.

---

إليا شعرت به أولاً.

كانت لا تزال في أحضان زيرو، في أسفل البرج، حيث بدأت رحلتهم قبل ساعات أو أيام أو قرون – لم تعد تعرف كيف تقيس الزمن هنا. دموعها كانت تجف على خديها، تاركة خطوطاً مالحة على بشرتها الشاحبة. أنفاسها كانت تهدأ تدريجياً، تتناغم مع تنفس زيرو الذي كان يحضنها بقوة، كأنه يخشى أن تختفي مثلما اختفى آخرون.

لكن فجأة، شعرت بشيء.

ليس صوتاً. ليس صورة. ليس شيئاً يمكن وصفه بالكلمات التي تعرفها. كان شعوراً نقياً، يتسلل إلى صدرها من حيث لا تدري، من مكان ليس من حولها، بل من الداخل. من قلبها. من مكان أعمق من الذاكرة، أقدم من الوجود.

رفعت رأسها ببطء. نظرت إلى زيرو. عيناه كانتا مغمضتين، رمشاه الطويلان يرتجفان كأجنحة فراشة جريحة. كان يبكي أيضاً. لكنه كان يبتسم. ابتسامة غريبة، تجمع بين الحزن والسلام، بين الألم والرضا.

"هل تشعر به؟" همست، صوتها يكاد يختفي في هواء البرج البارد.

فتح عينيه. نظر إليها. للحظة، لم يفهم. كانت عيناه مشوشتين، غائبتين، كأنه كان في مكان آخر. ثم رأى في عينيها شيئاً. شيئاً لم يكن موجوداً قبل لحظة. شيئاً قادماً من بعيد. شيئاً من مكان آخر، من زمان آخر، من روح أخرى.

"إدوارد." قال بصوت خافت، كمن يلفظ اسماً أثقل من جسده.

نعم. إدوارد.

شعروا به. كان في البرج. في مكان ما فوقهم، في قمة الجليد والمرآة والنار والرمال. وكان يتألم. ليس بألم الجسد – كان الألم الجسدي شيئاً اعتاده إدوارد منذ ألف عام. كان يتألم بطرق أخرى. كان يختار. كان يوَدِّع. كان يدفع ثمناً لا يعرف إن كان قادراً على دفعه.

وهناك، في أسفل البرج، وسط الجليد الذائب والرمال المتطايرة وشظايا المرايا التي تعكس وجوهاً لا تعد ولا تحصى، حملت إليا قلبها بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتوقف.

"لا تذهب، إدوارد،" همست للريح التي لا تسمع. "لا تذهب وحدك."

---

في قمة البرج، كان إدوارد واقفاً وحيداً.

لكن لم يكن هناك سقف فوقه. لم يكن هناك جدران تحده. كانت السماء مفتوحة على مصراعيها، لكنها لم تكن سماء عالم واحد من العوالم الأربعة. كانت كل السموات. كل العوالم. كل الأبعاد. كل النسخ التي تفرعت وتشابكت على مدى ألف عام من العودة.

السماء هنا كانت كياناً حياً.

النجوم من عوالم النار تتلألأ باللهب البارد الذي لا يحرق لكنه يضيء، يتمايل كرقصة جنونية في فضاء لا نهائي. السحب من عوالم الجليد تطفو كالجبال البيضاء الهائلة، تحمل على ظهورها مدناً بأكملها من بلورات متجمدة تعكس الضوء بألوان ليس لها أسماء. الرمال من عوالم الصحراء تتطاير كالغبار الذهبي، تملأ الهواء بجزيئات لامعة تجعل التنفس كشرب الضوء. والمرايا من عالم الانعكاس تغطي كل سطح، كل زاوية، كل فراغ – تعكس كل شيء، وتضاعفه، وتخلق صوراً لا تنتهي داخل صور لا تنتهي، أبدية ومربكة وجميلة.

وفي الوسط، حيث تلتقي كل هذه العوالم في نقطة وحيدة، كان هناك جسد.

جسد جيمي.

لكنه لم يكن جسداً بالمعنى المعروف. كان شفافاً كالزجاج الذي مضى وقت طويل على صقله، مضيئاً كالقمر في ليلة اكتماله، ينتظر. ينتظر منذ ألف عام، منذ اللحظة الأولى التي مات فيها في هذه الدورة الأولى. ينتظر أن يأتي إدوارد، أن يكمل ما بدآه معاً، أن ينهي لعبة الموت والبعث التي ابتلعت عالمهم.

قال جيمي، وصوته لم يأت من فم بل من كل مكان: "لقد وصلت. أنت تعلم ما يجب فعله."

"أعرف." رد إدوارد. لكنه لم يتحرك.

كان واقفاً مكانه، غارقاً حتى كعبيه في الرمال الذهبية التي تتحرك كالكائنات الحية، ينظر إلى جيمي. إلى الشبح الذي كان صديقه قبل أن يصبح عدوه، قبل أن يصبح ضحيته، قبل أن يصبح خلاصه. إلى الذي قتله 999 مرة، في 999 تجسيد مختلف، بطرق لا تخطر على بال بشر. إلى الذي مات أخيراً، ليس على يد إدوارد، بل بنفسه، ليحرر صديقه من أثقل الأغلال.

"لماذا تتردد؟" سأل جيمي. ليس بتساؤل حقيقي – هو يعرف لماذا. هو يعرف إدوارد أكثر مما يعرف إدوارد نفسه.

"لأنني... سأنساكم. سأنسى الجميع. إليا. زيرو. الرقم صفر. فارس. ليث. أنت. نور. كل من أحببتهم. كل من كرهتهم. كل من علموني شيئاً. سأنسى كل شيء. كل لحظة. كل كلمة. كل نظرة. كل لمسة."

صوته تكسر في النهاية، كالمرآة التي تسقط من ارتفاع.

"هل تريد أن تتذكر؟" سأل جيمي. سؤال بسيط، لكنه يحمل في طياته ألف سؤال آخر.

صمت إدوارد. صمت طويلاً. في ذلك الصمت، تذكر.

تذكر كل شيء.

تذكر ألف عام من العودة، ألف عام من الاستيقاظ في جسد جديد، في زمن جديد، في مكان جديد، وفي ذهنه كل ذكريات الموت السابق، كل تفاصيل الألم، كل تفاصيل الخيانة، كل تفاصيل الوحدة. تذكر كيف مات أول مرة – غرقاً في نهر جليدي، والماء البارد يملأ رئتيه، والظلام يزحف من أطراف عينيه. تذكر كيف مات في المرة المئة – حرقاً في نار صحراوية، واللهب يأكل جلده ببطء، والصراخ لا يسمعه أحد. تذكر كيف مات في المرة الخمسمئة – طعناً على يد من أحب، والخنجر يدخل بين ضلوعه، وعيون الحبيب تدمع وهي تقتل.

تذكر الألم، بأشكاله التي لا تعد.

لكنه تذكر أيضاً اللحظات النادرة. اللحظات التي شعر فيها بأنه حي، حقاً حي، وليس مجرد جسد ينتظر الموت التالي. اللحظات التي ضحك فيها حتى الدموع، ناسياً للحظة أنه ملعون. اللحظات التي شعر فيها بالدفء، ليس دفء النار، بل دفء آخر يأتي من الداخل.

تذكر إليا، كيف نظرت إليه كإنسان، ليس كوحش، ليس كملعون، ليس كمقاتل، بل كشخص. فقط شخص. كيف لم تخف منه عندما عرفت حقيقته، كيف مدت يدها إليه، كيف قال لها "سأموت" فقالت له "سأبكي" وكأن ذلك كان كافياً.

تذكر زيرو، ذلك الرجل الغامض الذي ظهر من حيث لا أحد يعرف، كيف قال له إنه أقوى مما يظن، كيف وقف بجانبه في أحرج اللحظات، كيف لم يطلب منه شيئاً سوى أن يكون صادقاً.

تذكر فارس وليث، الثنائي الذي يبدوان متناقضين لكنهما مكملان، كيف ضحكا معه ذات ليلة حول نار مخيم، كيف تحدثا عن أحلامهما التي لا علاقة لها بالحرب، كيف جعلاه يشعر بأنه جزء من شيء أكبر من موته.

تذكر نور، الطفل الصغير الذي بريء جداً على هذا العالم الملعون، كيف نظر إليه بعيون لا تعرف الخوف، كيف دعاه ذات مرة "عمي إدوارد" وجعلته تلك الكلمة يبكي لأول مرة منذ ثلاثمئة عام.

تذكر جيمي، كيف التقيا أول مرة، قبل أن تبدأ اللعبة، قبل أن تبدأ الدورة، قبل أن يصبح كل شيء معقداً. كيف كانا صديقين، صديقين حقيقيين، يتبادلان الأحلام والأسرار، يضحكان على أشياء تافهة، يحلمان بعالم لا يحتاج إلى محاربين.

تذكر جيمي وهو يموت أول مرة، على يد عدو مجهول، وكيف صرخ إدوارد ولم يستطع فعل شيء. تذكر جيمي وهو يعود كشبح، غاضب، مشوش، لا يعرف لماذا عاد بينما الآخرون لم يعودوا. تذكر كيف تحول صديقه إلى عدو، كيف أصبح كابوسه، كيف أصبح الشبح الذي يطارده في كل دورة، في كل مرة يموت ويعود.

وتذكر لحظة صعودهما إلى البرج اليوم، كيف نظر إليه جيمي وقال له: "لقد حان الوقت." كيف فهم إدوارد تلك الكلمات على الفعل، كأنها كانت مكتوبة في روحه منذ البداية.

"لا." قال أخيراً. صوته كان هادئاً. غريباً. كمن اتخذ قراراً لا رجعة فيه. "لا أريد أن أنسى."

"لكن..." بدأ جيمي.

"لكنني سأفعلها." قطعه إدوارد. "لأن من أحبهم يستحقون أن يكونوا أحراراً. أنت تستحق أن تكون حراً. كل من مات في هذه الدورة، كل من عانى بسبب لعنتي، كل من ضحى بحياته من أجلي – كلهم يستحقون أن يكونوا أحراراً. وذاكرتي... ذاكرتي ثمن زهيد مقابل كل هذه الأرواح."

ضحك جيمي. ضحكة حزينة، مريرة، لكن فيها شيء من الإعجاب. "ذاكرتك ثمن زهيد؟ يا إدوارد، أنت أغبى شخص عرفته. ذاكرتك هي كل ما تملك. هي هويتك. هي وجودك. بدونها، أنت لا شيء."

"ربما. لكن ربما، بدونها، أكون شيئاً آخر. شيئاً جديداً. شيئاً ليس مثقلاً بكل هذا الألم."

مد إدوارد يده. تردد للحظة. ثم لمس جيمي.

ولم يحدث شيء في البداية.

كان هناك صمت. صمت كصمت القبور، كصمت الفضاء البعيد. ثم شعر إدوارد بشيء ينساب منه. شيء خفيف كالريح في صباح ربيعي. شيء بارد كالثلج في عز الشتاء. شيء حار كالنار في صحراء منتصف النهار. شيء مرآوي كالانعكاس الذي يحاول الهروب من سطحه.

كانت ذكرياته.

تخرج منه كالدخان من نار تخبو. تتدفق نحو جيمي، نحو الجليد الذي يذوب تحت أقدامهما، نحو البرج الذي كان يرتجف ككائن حي يوشك على الموت. تتصاعد نحو السماء التي تضم كل السموات، نحو النجوم التي تتلألأ باللهب البارد، نحو المرايا التي تعكس كل شيء وتضاعفه وتشوهه.

رأى صوراً.

ليست مجرد ذكريات – كانت حياته. كلها. تتساقط منه كأوراق الخريف في يوم عاصف.

رأى طفولته. وجه أمه وهي تغني له، صوتها كان جميلاً، دافئاً، يملأ الغرفة بالحنان. كانت تغني له أغنية قديمة عن نهر سحري يعيد الأرواح الميتة. لم يكن يعلم حينها أنه سيصبح هو ذاك النهر، لكن بألم وليس بسحر.

رأى شبابه. تعلم القتال على يد معلم قاسٍ، كان يضربه كلما أخطأ، كان يوبخه كلما بكى. تعلم ألا يبكي. تعلم ألا يشعر. تعلم أن الألم صديق، وأن الضعف عدو.

رأى موته الأول. سقوطه في النهر الجليدي، والماء البارد يدخل إلى فمه وأنفه ورئتيه، والظلام يزحف من كل مكان، والشعور بالاختناق الذي لا يوصف. ثم النور، ثم العودة، ثم إدراكه أنه لن يموت موتة واحدة، بل آلافاً.

رأى عودته الأولى. استيقاظه في سرير غريب، في جسد غريب، وفي ذهنه كل ذكريات ما حدث. كيف صرخ حتى بح صوته، كيف ضرب الحائط بقبضتيه حتى نزف، كيف أدرك أنه ملعون، محكوم عليه بأن يموت ويعود، مراراً وتكراراً، بلا نهاية.

رأى الموت الثاني، والثالث، والعاشر، والمائة، والخمسمائة، والتسعمائة والتاسع والتسعين. كل موت كان مختلفاً، لكن كل موت كان مؤلماً. كل موت كان يأخذ جزءاً منه، يترك ندبة على روحه، يجعله أقل إنسانية وأكثر وحشية.

رأى ألف عام تتساقط منه كأوراق الخريف، وكل ورقة تحمل ألماً لا يحتمله جسد واحد.

رأى وجه أمه. كان قد نسيه. تذكره للحظة واحدة فقط – عيناها الخضراوان، شعرها الذهبي، ابتسامتها التي تخفي حزناً عميقاً. ثم نسيه مرة أخرى، كأن الورقة طارت مع الريح.

رأى وجه أبيه. كان قد كرهه طويلاً، ثم حاول أن يفهمه، ثم غفر له، ثم نسى سبب الغفران. تذكره للحظة – تجاعيد وجهه، يداه الخشنتان، نظراته الصامتة التي كانت تقول أكثر من الكلمات. ثم نسيه.

رأى وجه جيمي. المرة الأولى التي قتله فيها، عن غير قصد، في معركة خاطفة. كيف نظرت عينا جيمي إليه قبل أن تطفأ، ليس بغضب، بل بحزن عظيم، كأنه يقول له "لماذا لم تنقذني؟" رأى المرة الأخيرة التي رآه فيها حياً، قبل أن يصبح شبحاً، قبل أن تبدأ المطاردة. تذكره للحظة – شعره الأسود، ندبة على خده الأيسر، ضحكته العالية التي كانت تملأ أي غرفة.

ثم بدأ ينساه.

صرخ إدوارد. صرخة لم يسمعها أحد. صرخة تجمع كل الآلام التي لم يبكها طوال ألف عام.

"جيمي! أنساك! أنسى وجهك! أنسى صوتك! أنسى أننا كنا أصدقاء!"

ابتسم جيمي. ابتسامة هادئة، باكية، حانية. كأب يودع ابنه في أول يوم مدرسة.

"أعرف، يا صديقي. هذا هو الهدف."

"لا أريد أن أنساك!" صرخ إدوارد، وهو يحاول الإمساك بآخر ذكرياته، لكنها كانت تتسرب بين أصابعه كالماء.

"ستتذكر. ليس الآن. ربما ليس غداً. ربما ليس هذا العام. لكن في يوم ما. عندما يحين الوقت. عندما تلتقي بنا مرة أخرى في ظروف مختلفة، في جسد مختلف، في حياة جديدة. ستتذكر من كنت. ومن كانوا معك. ليس بالتفصيل. ليس بالصور والكلمات. لكن بالروح. بالشعور. بالحب."

دموع إدوارد كانت تنهمر كالنهر الجليدي الذي غرق فيه أول مرة. لكنه لم يعد يعرف لماذا يبكي. كان ينسى السبب. كان ينسى جيمي. كان ينسى الألم الذي جعله يبكي. كان ينسى الفرح الذي كان يبكي عليه. كان ينسى كل شيء.

كل شيء.

الورقات تتساقط أسرع فأسرع. طفولته تختفي. شبابه يتلاشى. كل موت من آلاف الموتات يصبح باهتاً، كصورة قديمة تعرضت لأشعة الشمس. الوجوه تضيع. الأصوات تختفي. الأسماء تصبح حروفاً بلا معنى.

وفي وسط هذا الخراب الجميل، في هذه اللحظة الحادة كشفرة سكين، في الدقيقة الأخيرة قبل أن تختفي آخر ذاكرة، رأى إدوارد شيئاً.

وجهاً.

ليس من ماضيه.

ليس من ذكرياته التي تتدفق منه.

كان وجهاً من مستقبله. وجهاً لم يره بعد. امرأة. شابة. صغيرة لكن عيناها تحملان حكمة لا تنتمي لعمرها. شعرها طويل، ينسدل على كتفيها كالشلال، لونه كالقمح في فصل الحصاد. عيناها زرقاوان كسماء صافية بعد عاصفة. بشرتها تشبه القمر في ليلة اكتماله.

كانت تبتسم له.

تبتسم وكأنها تعرفه. وكأنها تنتظره. وكأنها تعرف كل ما فعله، وكل ما ضحى به، وكل ما نسيه.

مدت يدها إليه.

مد يده ليلمسها، لكنه لم يصل. كان يبتعد عنها، أو كانت هي تبتعد عنه، أو أن الوقت كان يبتعد عنهما.

لم يعرف من هي. لم يرها من قبل. لكنه شعر بشيء.

الدفء.

الأمل.

البداية.

شيء ليس نهاية.

ثم اختفت الذاكرة الأخيرة. الوجه الأزرق العينين اختفى مع آخر ورقة تطايرت في رياح النسيان.

سقط إدوارد أرضاً.

كان جسده مرهقاً كمن حمل جبالاً طوال ألف عام. عضلاته ترتجف، أنفاسه تتقطع، قلبه يدق دقات متسارعة كأرنب يهرب من صياد. لكنه كان خفيفاً. خفيفاً كالريح. خفيفاً كالروح التي تحررت من قيد لم تكن تعرف أنها تحمله.

خفيفاً كمن لا يملك شيئاً يخسره.

نظر حوله بعيون فارغة.

لم يعرف أين هو.

لم يعرف كيف وصل.

لم يعرف من هو.

الأشكال من حوله كانت غريبة. الجليد يذوب ويتساقط كدموع عملاقة. الرمال الذهبية تتحرك كالسحب المنخفضة. المرايا تعكس صوراً لرجل لا يعرفه. السماء مليئة بظواهر لا تفسير لها: نار باردة، جبال بيضاء طائرة، غبار يلمع.

لكنه لم يخف.

كان هناك شيء في داخله، شيء ليس ذاكرة، شيء ليس اسماً أو وجهاً أو قصة. شيء يقول له إنه آمن. أنه فعل شيئاً صحيحاً. أنه هنا لسبب، حتى لو نسي السبب.

شعر بالسلام.

لأول مرة منذ ألف عام، نعم. منذ ألف عام لم يكن يعرفها لأنها اختفت مع ذكرياته. لكن جسده تذكر. تنفساته تذكرت. قلبه تذكر. السلام كان غريباً عليه، لكنه كان حقيقياً. كان دافئاً. كان خفيفاً.

وقف. ركبتاه ارتجفتا، لكنه وقف. نظر إلى البرج من حوله. إلى الجليد الذي كان يذوب ويتحول إلى ماء نقي يتدفق في قنوات لا يعرف من حفرها. نظر إلى الأرواح التي كانت تتحرر من أسرها، أشباح باهتة تتصاعد كالدخان، لكنها كانت تبتسم، كانت تشكره، كانت تودعه بعيون لا تعرفها.

نظر إلى جيمي.

الشبح كان يختفي، يتحول إلى ضوء. لكنه كان يبتسم. ابتسامة واسعة، صادقة، حرة.

إدوارد لم يعرف من كان هذا الشبح. لم يعرف اسمه، لم يعرف قصته، لم يعرف لماذا كان يقف أمامه، ولماذا كان يختفي أمام عينيه.

لكنه شعر بالامتنان.

شعر بالحب.

شعر بالوداع.

همس. الكلمات خرجت منه دون أن يعرف مصدرها: "شكراً."

ثم مشى.

لم يعرف إلى أين. لم يعرف لماذا. لكنه مشى. كانت ساقاه تحملانه عبر الممرات الضيقة، عبر السلالم اللولبية، عبر القاعات المغطاة بالمرايا التي تعكس كل شيء. لم يتوقف ليرى انعكاسه – ربما كان خائفاً مما سيراه، أو ربما لم يخطر بباله.

نزل. أو صعد. لم يعد يعرف الفرق. المكان كان يلتف على نفسه، الأبعاد كانت تتشابك، والزمن كان يلعب ألعابه القديمة.

لكنه مشى.

عبر الباب الذي كان مفتوحاً.

خرج إلى هواء بارد.

وأخذ أول نفس حر له منذ ألف عام.

---

في مكان آخر من البرج، في ممرات تتداخل فيها المرايا مع الجليد مع الرمال، كان فارس وليث يصعدان.

مع نور.

الصبي الصغير كان منهكاً، بالكاد يستطيع المشي. معركته مع الظل استنزفت قوته، جعلته أصغر مما هو، أضعف. عيناه كانتا نصف مغمضتين، جفناه تثقلان كأن عليهما أحمالاً.

فارس كان يحمله بين ذراعيه، برفق، بحذر، كمن يحمل شيئاً ثميناً قد ينكسر. ذراعاه العضليتان كانتا تحيطان بالصبي كجدار حماية. ذقنه كان يكاد يلمس رأس نور، يحس بوهنه، ببراءته، بكل ما هو صغير وضعيف في هذا العالم الكبير القاسي.

ليث كان يمشي أمامهما، يفتح الطريق. سيفه المسحوب، عيناه الساهرتان. كان يفحص كل زاوية، كل مرآة، كل ظل. كان متعباً مثلهما، لكنه لم يظهر ذلك. كان يعرف أنه إذا أظهر التعب، إذا أظهر الخوف، إذا توقف للحظة، فقد ينهار الجميع.

كانا يصعدان منذ ساعات. أو أيام. أو أسابيع. في هذا البرج، لا أحد يعرف.

وفجأة، توقف ليث.

لم تكن خطوته المعتادة. لم تكن توقفاً للراحة أو لفحص المكان. كانت توقفاً آخر. توقفاً مفاجئاً كمن تلقى صدمة كهربائية.

نظر إلى الأعلى.

في السقف – أو ما يشبه السقف – كان هناك ضوء.

ليس ضوءاً عادياً. لم يكن من شعلة، ولا من نافذة، ولا من مرآة تعكس شيئاً بعيداً. كان ضوءاً يتساقط من مكان أعلى. من قمة البرج، على ما يبدو. ضوءاً أبيض نقي، صافياً كأول ثلج في الشتاء، كأول حليب يخرج من ثدي أم.

كان يتساقط كالمطر لكن ببطء، كالريش، كالثلج. كان يملأ المكان بنوع آخر من الإضاءة، ليس الذي يضيء الأشياء، بل الذي يجعلها تبدو مختلفة. يجعل الجليد يلمع كالألماس. يجعل الرمال الذهبية تبدو كأنها نجوم ساقطة. يجعل المرايا تعكس ليس الوجوه، بل الأرواح.

قال فارس، وصوته كان خافتاً، خائفاً تقريباً: "ما هذا؟"

"لا أدري." رد ليث، ولم يرفع عينيه عن الضوء المتساقط. "لكني أشعر... أشعر أن أحدهم ضحى بشيء. أحدهم دفع ثمناً. ليس مالاً ولا جسداً ولا دماً. شيئاً آخر. شيئاً أثمن."

نظر فارس إلى نور.

الصبي كان نائماً في ذراعيه، رأسه مائل على كتف فارس، فمه مفتوح قليلاً، تنفسه هادئ ومنتظم. لكن وجهه كان يبتسم. ابتسامة غريبة على طفل نائم. كأنه يحلم حلماً جميلاً، أو كأنه يرى شيئاً لا يراه الكبار.

"نور." ناداه فارس بصوت خافت. هزّه بلطف. "نور، استيقظ."

لم يستيقظ. لكنه همس بشيء في نومه. كلمات غير واضحة، أصوات بلا معنى. ثم سمعاها بوضوح، كأن الطفل فتح عينيه وهو نائم وقال:

"إدوارد... شكراً..."

اقترب ليث ليسمع أكثر، لكن الصبي عاد إلى صمته، إلى نومه، إلى ابتسامته الغامضة.

نظر فارس إلى ليث. كلاهما شعر بالقشعريرة تسري في ظهورهما. كلاهما شعر بأن شيئاً كبيراً حدث. شيئاً غير مجرى التاريخ. شيئاً لن يعود العالم بعده كما كان.

"ماذا حدث لإدوارد؟" سأل فارس، لكنه لم يكن يتوقع إجابة.

"لا أعرف. لكني أعرف أنه... أنه فعل شيئاً عظيماً. شيئاً استدعى شكر ميت." نظر ليث إلى الضوء المتساقط مرة أخرى. كان يخف الآن، يذوب، يختفي. لكن أثرها بقي. دفء خفيف في الهواء، سلام في القلوب.

واصلوا الصعود. فارس يحمل نور، ليث يفتح الطريق. كلاهما أثقل بسر لا يفهمانه، وأخف بحزن لا يعرفان مصدره.

الدرج كان لا ينتهي.

لكنهم لم يتوقفوا.

---

في أسفل البرج، حيث بدأ كل شيء، حيث التقوا أول مرة، حيث قالوا كلمات الفراق والوعود، كان الرقم صفر واقفاً مع إليا.

ينظران إلى الأعلى.

لم يكونا قد بدآ الصعود بعد. كانا لا يزالان هناك، تحت قاعدة البرج مباشرة، حيث يلتقي الجليد بالأرض، حيث توجد بوابة لم يعد لها وجود. كان هواء المكان مختلفاً هنا – أثقل، أبرد، أشد كآبة. وكأن البرج يحبس أنفاسه تحسباً لما سيأتي.

الرقم صفر كان يعلم.

كان يعلم كل شيء. كما كان يعلم دائماً. عيناه المتلونتان – مرة حمراء، ومرة زرقاء، ومرة سوداء، تعكس كل الألوان وكل النسخ وكل الذكريات التي جمعها على مر العصور – كانتا مثبتتين على قمة البرج التي لا تُرى من هنا لكنها موجودة، محسوسة، كالنجم الذي لا تراه لكنك تعلم أنه فوقك.

إليا أمسكت يده.

يدها كانت باردة، لكن يده كانت أبرد. لم تكن دافئة أبداً. كأنه جمع كل برودة العوالم فيه.

"هل هو...؟" سألت. لم تكمل. لم تستطع.

"نعم." قال الرقم صفر، صوته هادئ كئيب. "لقد ضحى بذكرياته. كلها. لتحرير الأموات. لتحرير جيمي. لإنهاء اللعبة."

بكت إليا. دموعها كانت مالحة، ساخنة، تسقط على خديها كالمطر. ضغطت على يد الرقم صفر بقوة أكبر، كأنها تخشى أن يختفي هو الآخر.

"هل سينسى من نحن؟"

"نعم. سينسى كل شيء. سينسى وجهك. اسمك. صوتك. كل لحظة قضيتها معه. كل نظرة تبادلتها. كل كلمة قلتها."

"هذا حزين." كلمات إليا كانت بسيطة، لكنها حملت كل حزن العالم. "هذا كثير الحزن."

"ليس حزيناً." قال الرقم صفر، ونظر إليها بعينيه المتلونتين. "إنه بطولي. إدوارد قضى ألف عام في الألم. ألف عام في التذكر. ألف عام يحمل كل موت وكل خيانة وكل وحدة. الآن... الآن أصبح حراً. لا شيء يثقله. لا ماض يطارده. لا ذكريات تعذبه."

"لكنه سينسى أننا أحببناه." قالت إليا، وصوتها كان خافتاً كهمس. "سينسى أن أحداً أحبه."

ابتسم الرقم صفر. ابتسم ابتسامة حزينة غريبة، ابتسامة من يعرف أكثر مما يقول.

"الحب لا ينسى. قد تنسى الوجوه. قد تنسى الأسماء. قد تنسى الأصوات واللمسات والكلمات. لكن الحب... الحب يبقى. في الروح. في الشعور. في المكان الذي لا تصل إليه الذاكرة."

"وكيف تعرف هذا؟" سألت إليا، وهي تمسح دموعها بكفها. "من أين لك هذه الثقة؟"

لأنني أنا من يحمل الذكريات." قال الرقم صفر. "أنا من اختار ألا ينسى. أنا من اختار أن أتذكر كل شيء. كل نسخة. كل ذاكرة. كل حب. كل كره. كل موت. كل ولادة."

نظرت إليا إليه. رأت عينيه تتلون أسرع فأسرع – حمراء زرقاء سوداء خضراء ذهبية – كل الألوان التي لا توجد في الطبيعة. رأت في عينيه أرواحاً لا تعد، وذكريات لا تحصى، وآلاماً لا توصف.

"هل ستنسى أنت أيضاً؟" سألت.

"لا. أنا لن أنسى. لأني اخترت أن أتذكر. اخترت أن أحمل كل الذكريات. كل الآلام. كل الأفراح. كل الموت. كل الحب. هذا هو ثمني. هذا هو حملي."

"ألن تتعب؟" سألت، والدموع لا تزال في عينيها.

سكت الرقم صفر للحظة. ثم قال بصوت منخفض: "سأتعب. سأتعب كثيراً. قد أتمنى الموت ألف مرة، لكن الموت لن يأخذني، لأني لا أموت. لكني سأحمل. سأحمل لأن من أحبهم يستحقون أن يُذكروا. إدوارد يستحق أن يُذكر. جيمي يستحق أن يُذكر. كل هؤلاء الذين ضحوا في هذه الدورة الطويلة، كل من مات وبكى وأحب وكره – كلهم يستحقون أن لا ينساهم أحد."

احتضنته إليا. لفّت ذراعيها حول عنقه، وضعت رأسها على صدره. بقيا هكذا لحظات طويلة، لا أحد يتكلم، لا أحد يتحرك، فقط قلبان ينبضان بشكل مختلف لكن معاً.

ثم انفصلا.

نظر الرقم صفر إلى البرج. إلى القمة التي لا تُرى. إلى الضوء الأبيض الذي كان قد توقف عن التساقط.

"لنذهب." قال. "لقد حان الوقت لإنهاء ما بدأناه. لقد ضحى إدوارد بذكرياته. حان دورنا لنضحي بما نملك."

بدأوا الصعود. يداً بيد. خطوة فخطوة. درجاً بعد درج.

هما أيضاً كانا منهكين. هما أيضاً كانا خائفين. هما أيضاً كانا لا يعرفان ما ينتظرهما في القمة.

لكنهما كانا معاً. وهذا كان كافياً.

---

في قمة البرج، حيث كان إدوارد قد غادر قبل لحظات، حيث كان جيمي قد تحرر واختفى، حيث كانت الأرواح قد تخلصت من أغلالها وتصاعدت كالنجوم الساطعة، ظهر شيء جديد.

لم يكن أحد هناك ليراه. لكنه ظهر.

المرآة في السماء. تلك المرآة العملاقة التي كانت مظلمة منذ انفجار البوابة الأولى، منذ بداية اللعبة، منذ ألف عام. المرآة التي كانت تعكس العذاب والألم والوحدة. المرآة التي كانت تحبس الأرواح بدلاً من أن تُظهرها.

بدأت تتوهج.

ببطء في البداية، كأنها تستيقظ من نوم طويل. ثم أسرع، كأن شمساً جديدة أشرقت من داخلها. ثم بقوة، حتى امتلأت القبة السماوية كلها بضوء أبيض نقي، لا يحترق، لا يؤذي، فقط يعمى العيون ويدفئ القلوب.

بدأت تلمع.

بدأت تعكس شيئاً جديداً. شيئاً لم تره من قبل.

لم تعد تعكس العوالم الأربعة. كل تلك العوالم التي تشابكت وتقاتلت وتكاثرت على مدى ألف عام، كانت قد انتهت. لم تعد تعكس النسخ المتعددة، كل تلك النُسخ من إدوارد ومن جيمي ومن إليا ومن فارس ومن ليث، التي تفرعت كأغصان شجرة مجنونة. لم تعد تعكس الموت، ذلك الشبح الأسود الذي كان يطارد الجميع بلا هوادة.

بدأت تعكس حلماً.

حلماً لعالم جديد.

عالم بلا دورة. بلا نسخ. بلا عودة. بلا لعبة.

عالم يمكن للموتى أن يموتوا فيه حقاً. أن يختفوا حقاً. أن يتركوا أثراً ثم يغادروا. عالم يمكن للأحياء أن يعيشوا حقاً. أن يخافوا حقاً. أن يحبوا حقاً. أن يموتوا موتة واحدة فقط، لكن يعيشوا قبلها حياة كاملة.

وفي قلب ذلك الحلم، كانت هناك صورة واحدة.

لم تكن واضحة. كانت كالحلم نفسه – ضبابية، متغيرة، تظهر وتختفي. لكن من رآها – لو كان هناك أحد ليرى – كان سيعرف ما هي.

صورة لسبعة أشخاص يقفون معاً.

ليسوا في حرب.

ليسوا في قتال.

ليسوا في موت أو بعث.

كانوا واقفين على تل أخضر، تحت سماء زرقاء، والشمس تشرق من ورائهم. كانوا ينظرون إلى الأفق معاً، كأنهم يخططون لمستقبل، أو كأنهم يتذكرون ماضياً، أو كأنهم فقط يستمتعون بوجودهما معاً في نفس المكان، في نفس الوقت، بدون أعداء، بدون أغلال.

الرقم صفر.

إليا.

إدوارد.

فارس.

ليث.

نور.

وجيمي.

جيمي كان شبحاً في تلك الصورة. شفافاً، مضيئاً، كأنه ليس هناك حقاً. لكنه كان يبتسم. ابتسامته كانت تملأ الصورة كلها، تجعل التل أكثر اخضراراً، تجعل السماء أكثر زرقة، تجعل الشمس أكثر دفئاً.

كانوا جميعاً معاً.

للمرة الأولى.

للمرة الأخيرة.

للمرة الأبدية.

ثم اختفت الصورة.

كذيل حصان يختفي في الضباب. كورقة تطايرت مع الريح. كذاكرة ضاعت إلى الأبد.

وعادت المرآة إلى سكونها.

لكن الضوء بقي. الضوء الذي وعد ببداية جديدة. الضوء الذي لن يختفي، حتى لو اختفت كل الذكريات، حتى لو مات كل الأحياء، حتى لو توقفت كل القلوب عن النبض.

كان هناك ضوء جديد في العالم.

وكان كافياً.

---

إدوارد كان يمشي.

لم يعرف أين يمشي. لم يعرف لماذا. قدما كانتا تحملانه عبر ممرات البرج التي كانت تضيق مرة وتتسع مرة، عبر سلالم كانت تصعد أحياناً وتهبط أحياناً، عبر غرف كان بعضها مليئاً بالمرايا التي تعكس خمسة من نفسه وهو لا يعرف أياً منهم.

كان يشعر بالجوع.

كان يشعر بالعطش.

كان يشعر بالتعب.

كان يشعر بالحياة.

لأول مرة منذ... لا يعرف منذ متى... كان يشعر بجسده كجسد، وليس كأداة للقتال أو الموت. كانت قدماه تؤلمانه من المشي. كانت رئتاه تحترقان من الهواء البارد. كانت معدته تقرقر من الجوع.

وكان هذا جميلاً.

خرج من البرج أخيراً.

الباب كان واسعاً، غير مناسب لحجم البناء، كأنه يريد أن يبتلع كل شيء. عبره دون أن يفكر. دون أن يتذكر. دون أن يخطط لما بعد.

كانت السماء مفتوحة. زرقاء. زرقاء جداً. فيها غيوم بيضاء كالقطن، وكان المطر قد توقف منذ فترة.

نظر حوله. كل شيء كان أبيضاً. لا، ليس أبيضاً – كان أخضر. العشب أخضر. والأشجار خضراء. والسماء زرقاء. والتربة بنية. والزهور متعددة الألوان.

صفعة بسيطة للحواس بعد كل تلك السنوات في الجليد والنار.

وقف هناك للحظة. الشاب الناسي. الذي ضحى بكل شيء حفاظاً على حياة من لا يعرفهم.

استنشق الهواء. كان منتعشاً. رطباً. فيه رائحة العشب والتربة والمطر الأخير.

تنفس بعمق.

شعر بالسلام.

نظر إلى السماء. رأى المرآة تتوهج بضوء خافت، كالقمر في النهار. رأى الضوء الأبيض يختفي تدريجياً، كأنه يودعه.

شعر بالدفء في صدره.

لم يعرف لماذا.

لكنه ابتسم.

وبدأ يمشي.

نحو المستقبل.

نحو المجهول.

نحو بداية جديدة.

---

نهاية الفصل الثامن والعشرين

More Chapters