Cherreads

Chapter 12 - الفصل الثاني عشر : اللعبة الأخيرة

لم يعد ويليام يميّز الزمن.

الدقائق اختلطت بالساعات، والألم أصبح حالة دائمة لا بداية لها ولا نهاية.

كان جسده مقيّدًا على الكرسي، رأسه متدلٍ قليلًا، وأنفاسه متقطعة كأن كل شهيق يحتاج إذنًا ليخرج.

الدم الجاف على ظهره التصق بثيابه، وكل حركة صغيرة كانت تعيد إشعال الجرح من جديد.

وقف كايت أمامه، يدور ببطء، كصيّاد يراقب فريسة انتهت مقاومتها.

قال بهدوء مزعج:

"أتعلم ما أكثر شيء أكرهه؟ الصمت الطويل."

لم يرفع ويليام رأسه.

لم يكن ذلك تحديًا… بل عجزًا.

تنهد كايت، ثم أشار بيده.

تقدّم أحد الأتباع ووضع أداة معدنية رفيعة، باردة، على الطاولة.

"لا تقلق… لن أقتلك."

قالها كايت وكأنه يواسيه، ثم أكمل:

"لكنني سأذكّرك أنك حي… بكل الطرق الممكنة."

ضغط الأداة على أحد جروح ويليام المفتوحة.

لم يصرخ.

ليس لأنه تحمّل…

بل لأن صوته لم يعد يخرج.

ارتجف جسده بعنف، وتشنجت أطرافه، بينما انحبس الهواء في صدره.

الألم لم يعد حادًا فقط… بل عميقًا، ينساب ببطء ويستقر في العظام.

اقترب كايت من أذنه:

"اصمد… المال في الطريق.

انفتح الباب بعد وقت قصير.

دخل الشيخ الثالث بخطوات ثابتة، وبيده بطاقة ذهبية تشع بهالة خافتة.

توقّف لحظة، ونظر إلى ويليام بنظرة سريعة… بلا تعاطف.

قال ببرود:

"يبدو أنه ما زال حيًا."

ابتسم كايت ابتسامة صغيرة:

"كما وعدت."

مدّ الشيخ البطاقة، لكن لم يتركها فورًا.

تلاقى نظره مع كايت وقال بصوت منخفض:

"لا تنسَ… إن خرج هذا الفتى عن السيطرة يومًا، فالمسؤولية عليك."

أخذ كايت البطاقة ببطء، ثم أجاب بثقة:

"إن خرج عن السيطرة… فلن يكون مشكلة أحد."

سحب الشيخ يده، وحدّق مرة أخيرة في ويليام:

"ثمن مرتفع… لمخلوق هش."

ردّ كايت دون أن ينظر إليه:

"الأشياء الهشة… تنكسر بسهولة، أو تتحول إلى شيء خطير."

لم يُعلّق الشيخ.

استدار وغادر الغرفة كما دخلها… وكأن ما جرى لم يكن أكثر من صفقة ناجحة.

ما إن أُغلق الباب، حتى تغيّر تعبير كايت.

لم يعد رسميًا… بل مسليًا.

اقترب من ويليام، رفع ذقنه بإصبعه، وأجبره على النظر إليه.

"انتهى التفاوض."

ثم أضاف بهدوء قاتل:

"والآن… ننتظر فقط حتى يتعوّد جسدك على النقص."

أشار للأتباع:

"أعطوه حبة واحدة فقط. لا أكثر."

وضعت الحبة في فم ويليام بالقوة.

لم تكن كافية للشفاء… فقط كافية لمنعه من الموت.

عاد الصمت إلى الغرفة.

لكن هذه المرة…

لم يكن الصمت فارغًا.

في أعماق ويليام…

كانت الجمرة ما تزال هناك.

صغيرة.

مختبئة.

لكنها لم تنطفئ.

مرّ الوقت على ويليام بلا معنى.

لم يعد قادرًا على عدّ الساعات أو تمييز الليل من النهار، فالمكان ثابت، والظلام واحد، والألم… دائم.

في البداية كان الوجع يصرخ فيه، يمزق وعيه، يجبره على الصراخ والتوسل.

ثم… مع مرور الوقت، تغيّر شيء داخله.

لم يختفِ الألم،

بل أصبح كثيفًا، عميقًا، كأنه بحر غارق فيه منذ زمن، لم يعد الموج يفاجئه… فقط يثقل أنفاسه.

جسده تعلّم كيف يتحمل.

أعصابه احترقت بما يكفي لتفقد دهشتها.

وحين لاحظ كايت ذلك…

تحوّل الملل في عينيه إلى اهتمام.

أدار وجهه نحو الحراس وقال بنبرة هادئة، خالية من الانفعال:

"أحضروا مجموعتي الخاصة."

لم يتجرأ أحد على السؤال.

خرجوا سريعًا، ثم عادوا يحملون صندوقًا أسود ثقيلًا، منقوشًا برموز ملتوية لا تنتمي لأي لغة عرفها ويليام.

عندما فُتح الصندوق، انتشر في الهواء شعور خانق.

أدوات غريبة…

بعضها رفيع كالإبر،

أخرى ملتوية كأحشاء ميتة،

وبينها أشياء بدت وكأنها تتحرك ببطء، تنبض بخفوت غير طبيعي.

جلس كايت على الكرسي المقابل، متكئًا براحة، وقال وهو يحدّق في ويليام طويلًا:

"الآن… سنلعب لعبتنا الأخيرة."

توقف لحظة، ثم أكمل بصوت خافت:

"الأطول أيضًا… لأني لا أملك متسعًا من الوقت."

حاول ويليام رفع رأسه.

من تغيّر الضوء، من ثقل جسده، من الإعياء المتراكم…

خمّن أنه قضى في هذا المستودع يومين أو ثلاثة.

وقبلها يومان من المطاردة.

وثلاثة أسابيع تقريبًا منذ بدأت العوالم تتداخل، منذ لم يعد العالم كما كان.

قال كايت وهو يلتقط إحدى الأدوات بين أصابعه:

"اللعبة بسيطة."

ثم اقترب خطوة وأضاف:

"كل ما عليك… هو الحفاظ على تركيزك."

اقترب أكثر، وصوته صار همسًا ثقيلًا:

"ستبدأ العدّ تنازليًا من ألف. في كل مرة تنقص سبعة."

"وعندما تصل إلى تسعمئة… تعيد العد إلى ألف، لكن تصاعديًا."

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه:

"وأنا… سأساعدك."

شعر ويليام بقشعريرة تزحف على جلده.

لكنه لم يتكلم.

"ابدأ."

"ألف…"

ما إن نطق الرقم حتى لامست الأداة جسده.

لم تكن طعنة،

بل وخزًا دقيقًا، بطيئًا،

كأن شيئًا يُزرع داخل جسده ويُترك هناك عمدًا.

"تسعمئة وثلاثة وتسعون…"

أداة أخرى.

أعمق.

أقسى.

بدأت أطرافه ترتجف،

لكن صوته… استمر.

"تسعمئة وستة وثمانون…"

لم يكن الألم انفجارًا،

بل ضغطًا مستمرًا، خانقًا،

كأن أعصابه تُعصر عصرًا.

مع كل رقم، كان كايت يغيّر الأداة،

يبدّل الموضع،

يراقب بعينين ثابتتين، بلا شفقة.

عندما أخطأ ويليام رقمًا واحدًا،

توقّف كل شيء.

قال كايت بهدوء مرعب:

"أعد الرقم."

أعاد العد.

صحيح هذه المرة.

لكن العقاب لم يتأخر.

أداة باردة انزلقت تحت أحد أظافره.

تشنّج جسده بعنف،

وانكسر صوته أخيرًا،

لكن كايت لم يضحك… بل راقب فقط.

مع مرور الوقت،

بدأ العالم يتشوّه في نظر ويليام.

الأرقام اختلطت،

الجدران بدت وكأنها تذوب،

ثم…

حدث شيء لم يكن جزءًا من اللعبة.

بينما كان كايت يتحرك،

سمع ويليام صوته…

قبل أن ينطق.

"إذا أخطأ مرة أخرى… سأبدأ بالأظافر واحدًا تلو الآخر."

تجمّد.

لم يكن هذا خوفًا.

لم يكن حدسًا.

كانت فكرة.

واضحة.

ليست له.

ارتجف جسده،

لكن عقله… استيقظ.

عندما مدّ كايت يده للأداة التالية،

توقف ويليام عن العد لجزء من الثانية،

ثم نطق الرقم التالي…

صحيحًا.

تصلّب كايت للحظة قصيرة.

لحظة بالكاد تُرى.

لكن ويليام شعر بها.

"مستحيل…"

سمعها.

استمر العد.

بدقة غريبة.

رغم الألم.

رغم النزف.

تراجع كايت خطوة، ثم قال ببرود مصطنع:

"كافٍ."

لكن العقوبة… لم تُلغَ بالكامل.

اقترب،

وأمسك بيد ويليام.

اقتلع ظفرًا واحدًا.

ثم ثانيًا.

وتردد قليلًا…

قبل أن يكتفي.

قال بصوت منخفض، يكاد يكون إعجابًا:

"يبدو أنك… تعلّمت شيئًا."

تركه معلقًا،

جسده يرتجف،

يداه تنزفان،

لكن عينيه… لم تعودا كما كانتا.

خرج ويليام من تلك اللعبة

محطم الجسد،

فاقدًا ظفرين… وربما ثالثًا،

لكنه خرج وهو يحمل شيئًا جديدًا.

قدرة لم يطلبها.

وعيًا لم يكن مستعدًا له.

More Chapters