Cherreads

Chapter 2 - الفصل

مرت ثمان سنوات...

أصبح عمر رين ولي العهد ١٧ عاماً، وسيرا الأميرة ١٥ عاماً، وهارو الأمير الأصغر ١٤ عاماً.

كبروا ... وتغيّرت ملامحهم، لكن خيوط الماضي ما زالت تربطهم ببعض

في شرفة قصر الدوقية، جلست ماي وهيري تحت ضوء الشمس الهادئ، تحتسيان الشاي بينما النسيم يحرك أطراف الستائر الحريرية.

لكن ملامح هيري لم تكن مطمئنة، فقد كانت تنظر إلى ماي بنظرة تحمل قلقاً واضحاً.

قالت ماي وهي تشبك أصابعها بتوتر:

"غداً تدريب السيف في الأكاديمية… وأنا ما زلت لا أجيد القتال."

تنهدت هيري بعمق، ثم وضعت فنجانها على الطاولة:

"إلى متى يا ماي؟ كل مرة قبل تدريب السيف تطلبين مني أن أدربك… ثم تتوقفين بعد يومين."

سكتت قليلاً، ثم أضافت بصوتٍ منخفض، فيه خوفٌ صادق:

"أنا أخاف عليكِ… إذا لم تتعلمي القتال، فلن تستطيعي الدفاع عن نفسك."

رفعت ماي رأسها ببطء، وظهرت على شفتيها ابتسامة صغيرة، هادئة، وكأنها تحاول طمأنة أختها.

قالت بلطف:

"لا تقلقي… إذا لم أعرف كيف أدافع عن نفسي، فحينها أنتِ ستكونين موجودة… وستحمينني."

اتسعت عينا هيري، وكأن كلمات ماي لامست شيئاً عميقاً في قلبها.

ثم ضحكت ضحكة خفيفة، راقية، تخفي خلفها مزيجاً من الارتياح والضيق:

"يا لهذه الثقة… وكأنني حارسه شخصيه ولدت لاجلك."

لكن في داخلها، كانت تفكر:

"ماي… لو تعلمين كم اقلق لاجلك."

قالت هيري بصوت منخفض لكنه حازم

"تدريب اليوم سيكون مختلفاً يا ماي... كوني مستعدة."

رفعت ماي رأسها بثقة، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيها :

"أنا مستعدة دائماً."

هزت هيري رأسها بإعجاب خفيف، ثم قالت:

"إذن اتبعيني.

كان رين يتجول في شوارع المدينة برفقة صديقه، يستمتعان بالهدوء النادر بعيداً عن القصر.

وبينما كانا يمران بالساحة الكبرى، لفت انتباهه تجمع كبير حول منصة خشبية.

كانت هناك مسابقة مبارزة ، والجائزة موضوعة داخل صندوق زجاجي صغير :

سيف خشبي فاخر ، مصقول بعناية، مزخرف بخيوط ذهبية، يلمع تحت الشمس.

وقف طفل صغير عند حافة الساحة، يحدق بالسيف بعينين ممتلئتين بالدهشة والرغبة.

اقترب منه رين وسأله بلطف

"هل يعجبك السيف؟"

أجاب الطفل بخجل:

"نعم... لكنه جائزة المبارزة، وأنا لا أستطيع المشاركة."

سأل رين بابتسامة هادئة

"هل تريده حقاً ؟"

أومأ الطفل بحماس.

قال رين بثقة:

"حسناً ... سأفوز به لك."

ثم تقدم نحو ساحة المبارزة بخطوات ثابتة.

دخل رين مسابقة المبارزة دون أن يكشف أحد عن هويته الحقيقية.

كان مجرد شاب ماهر في نظر الجمهور، لا أكثر.

كانت هيري تقود ماي عبر شوارع المدينة، لكن

ماي لم تسأل أين يذهبان.

قالت ماي وهي تنظر حولها :

"يبدو أننا نتجه نحو وسط المدينة."

أجابت هيري:

نعم... تدريبك اليوم سيكون هناك."

لم تتغير ملامح ماي، بل اكتفت بابتسامة خفيفة:

مكان عام... تدريب جيد للتركيز."

وصلتا أخيراً إلى الساحة الكبرى

وبينهما ازدحام الناس والحواجز.

وقفت هيري أمام ماي وقالت:

"هذه هي المسابقة. أريدك أن تشاهدي... وتتعلمي. وربما ..."

نظرت إليها نظرة جانبية

"تشاركين."

رفعت ماي حاجبها

" إن كان التدريب يتطلب ذلك ... فلا بأس."

دخل رين ساحة المبارزة بثقة هادئة، ووقف بين المتسابقين بينما كانت الحشود تهتف. بدأت الجولات، واحدة تلو الأخرى...

وكان رين يفوز بسهولة، حركته سريعة، ضرباته دقيقة، وكأنه ولد ممسكاً بالسيف.

وصل إلى الجولة الأخيرة.

الجمهور صرخ بحماس، والطفل الذي وعده رين بالجائزة كان يقف في الصف الأمامي، يلوح له بيديه الصغيرة.

وعندما أعلن الحكم اسم خصمه الأخير…

ظهرت ماي.

كانت واقفة بثبات، تحمل السيف بثقة راقية، دون أن تعرف أن الشاب الذي أمامها هو ولي العهد نفسه.

وقف رين وماي في منتصف الساحة، اوالناس يترقبون.

بدأت المبارزة بضربة سريعة من ماي.

كانت حركتها ، ثابتة، تدل على تدريب جيد.

رين صدّ الضربة بسهولة، لكن ملامحه بقيت هادئة، وكأنه يراقبها فقط.

تقدمت ماي بخطوة أخرى، وضربت من الجهة اليسرى.

رين انحنى قليلاً وتفاداها، ثم تراجع خطوة…

خطوة محسوبة، ليست دفاعاً… بل تمهيداً للخسارة.

لكن الحقيقة أنه كان يراقب اللحظة المناسبة ليخسر دون أن يفضح نفسه.

رفعت ماي سيفها، واستعدت لضربة قوية.

رين رأى الحركة بوضوح…

كان يستطيع صدّها بسهولة.

لكن في اللحظة التي هاجمت فيها ماي:

• خفّف رين قوة قبضته على السيف

• حرّك قدمه اليمنى نصف خطوة للخلف

• وترك جانباً صغيراً مكشوفاً… عمداً

ضربت ماي سيفه بقوة،

فسقط السيف من يد رين على الأرض،

وتراجع هو خطوة وكأنه فقد توازنه.

رفع الحكم صوته:

"الفائزة… ماي!"

الجمهور صرخ بحماس،

وماي انحنت باحترام،

بينما رين وقف بابتسامة هادئة…

ابتسامة شخص اختار الخسارة.

---

رين كان قادراً على الفوز… لكنه اختار الخسارة عمداً، دون أن يشعر أحد.

فازت ماي بالجائزة:

سيف خشبي فاخر مزخرف.

بعد انتهاء المبارزة، ركض الطفل نحوَ رين وهو يبكي:

"لماذا خسرت؟ كنت أريد السيف!"

حاول رين تهدئته، وشعر بالذنب لأنه خذله.

وبالصدفة…

كانت ماي تمرّ بالقرب منهم، وسمعت الحديث.

اقتربت بهدوء وقدمت الجائزة للطفل قائلة:

"خذها… أنت تستحقها."

رفع الطفل رأسه بدهشة:

"لكن... أنت الفائزة!"

ابتسمت ماي:

الفوز الحقيقي... هو أن ترى شخصاً سعيداً

لم يعرف الطفل من هي.

وكان رين مجرد شاب غريب في نظر ماي.

بعد أن أعطت ماي السيف للطفل، انحنت له بابتسامة هادئة، ثم استدارت لتلحق بهيري. كانت خطواتها ثابتة، راقية، وكأنها لم تفعل شيئاً يستحق المديح.

لكن خلفها ....كان رين واقفاً بلا حركة.

عيناه تتبعانها بصمت حتى اختفت بين الحشود وكأن عينيه ترفضان الابتعاد عنها.

وقفت هيري تراقب المشهد كله.

وعندما رأت نظرة رين الطويلة نحو ماي...

تجمدت لثانية.تعرف هذا الوجه.

تعرف تلك العينين.ولي العهد

لكنها لم تقل شيئاً.لم تقترب.

لم تنحني.لم تكشف هويته.

بل قالت في نفسها :

"هذا ... ولي العهد؟

نظرت إلى ماي التي كانت تبتعد ببراءة، لا تدري شيئاً عما يحدث خلفها.

ثم أضافت هيري في داخلها :

"ماي... أنت لا تدركين من الذي يقف امامك

---

بعد أن غادرت ماي الساحة مع هيري، بقي رين واقفاً للحظة، ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه بين الحشود.

لم يكن يدرك أنه كان يبتسم دون وعي… ابتسامة هادئة، خفيفة، لا تشبه ابتساماته المعتادة.

اقترب صديقه، الذي كان يراقبه من بعيد، وقال بنبرة فيها شيء من المزاح:

"لم أرَك تخسر بهذه الطريقة من قبل… ولا تنظر لأحد بهذه الطريقة أيضاً."

التفت رين إليه ببطء، وكأنه عاد من عالم آخر.

قال صديقه وهو يضع يديه خلف رأسه:

"أخبرني… من تكون هذه الفتاة؟"

لم يجب رين مباشرة.

بل رفع نظره نحو السماء، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.

ثم قال بصوت منخفض، نادر الظهور على لسان ولي العهد:

"شخص… لم أستطع نسيانه."

اتسعت عينا صديقه بدهشة:

"أنت تعرفها؟!"

أجاب رين وهو يسير مبتعداً عن الساحة:

"منذ زمن… لكنها لا تتذكرني."

سار صديقه خلفه بسرعة:

"وهل ستخبرها من أنت؟"

توقف رين للحظة، ثم قال بابتسامة غامضة:

"ليس الآن."

بعد أن غادرت ماي وهيري ساحة المبارزة، كانت خطواتهما هادئة، لكن عقل هيري لم يكن كذلك.

كانت تنظر إلى ماي بين الحين والآخر، بينما أفكارها تتصارع في داخلها.

"كيف…؟

كيف خسر ولي العهد؟

أقوى مبارز في الإمبراطورية…

خسر أمام ماي؟"

كانت تعرف قوة رين جيداً.

تعرف أنه لا يُهزم بسهولة، بل لم يُهزم قط أمام أحد من قبل.

تنهدت هيري بعمق، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعياً:

"أتدرين يا ماي…؟"

التفتت ماي إليها:

"نعم؟"

قالت هيري وهي تخفي ارتباكها بابتسامة صغيرة:

"أظن… أنه خسر أمامك عمداً."

هيري ابتلعت كلمات كثيرة كانت تريد قولها…

كلمات عن هوية رين…

عن كونه ولي العهد…

عن نظراته التي لم تستطع تجاهلها.

ثم أجابت ماي بصوت مسموع:

"ربما كان متعباً."

ابتسمت هيري بخفة، لكنها فكرت:

"متعب؟

هذا الرجل لا يتعب…

لقد خسر لأجلك يا ماي، وأنتِ لا تدركين شيئاً."

---

كان يوم جديد في الأكاديمية، والطلاب يتجمعون في الساحة قبل بدء الدروس.

وبين الضحكات والضوضاء…

لفت انتباه ماي صوت بكاء مكتوم.

التفتت نحو الزاوية، فرأت مجموعة من الطلاب الأثرياء يحيطون بفتاة بسيطة المظهر، ترتجف وهي تحاول حماية كتبها.

أحد الفتيان، المعروف بغروره وثروته، دفعها بقسوة وهو يقول بسخرية:

"أمثالك يدخلون الأكاديمية بالحظ… وليس بالذكاء."

ضحك من حوله، بينما انكمشت الفتاة أكثر.

ماي لم تتردد.

لم تفكر.

لم تتباطأ.

تقدمت بخطوات هادئة…

لكن كل خطوة كانت تحمل قوة لا يملكها أحد غيرها.

وقفت بينهم وقالت بصوت ثابت:

"هذا يكفي."

التفت الفتى الثري نحوها، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة:

"وما شأنك أنتِ؟"

لم تجبه.

بل تقدمت خطوة أخرى، ووقفت أمام الفتاة لتحميها.

الفتى حاول أن يدفع ماي كما فعل مع الفتاة…

لكن قبل أن تلمس يده كتفها—

رفعت ماي قدمها بخفة، وأسقطته أرضاً بحركة واحدة دقيقة.

سقط الفتى على ظهره وسط صدمة الجميع.

ماي انحنت قليلاً وقالت بنبرة راقية، وكأنها تعتذر عن شيء بسيط:

"آسفة… لم أرك."

لكن عينيها كانتا تقولان شيئاً آخر تماماً.

الفتى نهض بسرعة، وجهه احمرّ من الإهانة، ونظر إليها بحقد واضح.

كان الفتى الثري يرفع يده ليضرب ماي، والغضب يشتعل في عينيه.

لكن قبل أن تلمس يده الهواء—

قبضة قوية أمسكت معصمه.

تجمّد الفتى.

تجمّد الطلاب.

حتى ماي توقفت لثانية.

التفتت لترى من أمسك يد الفتى…

فرأت رين.

كان واقفاً خلف الفتى، يمسك معصمه بقوة واضحة، وعيناه تلمعان بحدة غريبة.

لكن ملامحه كانت هادئة… هدوءاً مخيفاً.

ماي لم تفهم ما يحدث، لكنها شعرت أن الوضع سيتصاعد.

وفجأة ركض أحد الطلاب نحوها وهو يصرخ:

"آنسة ماي! تعالي بسرعة! هيري… حدث لها شيء!"

اتسعت عينا ماي، ونسيت كل شيء..

ركضت فوراً، ثوبها يتحرك خلفها، وصوت خطواتها يبتعد بسرعة.

---

بمجرد أن اختفت ماي عن الأنظار، حاول الفتى سحب يده من قبضة رين وهو يصرخ:

"اتركني! من تظ—"

لم يكمل.

رين شدّ قبضته بقوة جعلت الفتى يصرخ من الألم.

ثم دفعه أرضاً بقسوة.

الطلاب تراجعوا بخوف.

لم يروا رين هكذا من قبل.

اقترب رين منه، وصوته منخفض لكنه مليء بالغضب المكبوت:

"كيف تجرؤ… أن تفكر حتى في ضربها؟"

الفتى حاول التراجع، لكن رين أمسكه من ياقة قميصه ورفعه قليلاً عن الأرض.

ثم—

ضربة.

ضربة أخرى.

وثالثة.

كان يضربه بلا رحمة.

ليس كطالب…

بل كمن فقد السيطرة تماماً.

الطلاب وقفوا مذهولين، لا أحد يجرؤ على التدخل.

---

بعد عدة ضربات، توقف رين فجأة.

نظر إلى يده…

ثم إلى الفتى الذي بالكاد يستطيع الوقوف.

عيناه اتسعتا بصدمة حقيقية.

"ما الذي… فعلته؟"

تراجع خطوة.

ثم خطوة أخرى.

لم يكن هذا هو رين الذي يعرفه الجميع.

ولا حتى رين الذي يعرف نفسه.

كان هذا غضباً خرج من مكان عميق…

مكان لا يظهر إلا عندما يتعلق الأمر بماي.

وبدون كلمة واحدة—

هرب.

اختفى بين الممرات، يركض وكأنه يهرب من نفسه.

بعد أن هرب رين من الساحة، بقي الطلاب واقفين في صدمة.

الفتى الثري كان على الأرض، يتنفس بصعوبة، والطلاب حوله يتهامسون بخوف.

أحد الطلاب، الذي كان يعرف شكل ولي العهد من الاحتفالات الرسمية، قال بصوت مرتجف:

"أنا… أنا أعرفه… هذا… هذا ولي العهد!"

سقط الصمت على المكان.

ثم بدأت الهمسات تنتشر كالنار:

"ماذا؟!"

"ولي العهد؟!"

"هو الذي ضربه؟!"

"لا يمكن…!"

الفتى الثري فتح عينيه بصدمة، وكأن الألم اختفى للحظة:

"و… ولي العهد؟! أنا… أنا حاولت ضرب فتاة أمامه؟!"

ارتجف جسده بالكامل.

لم يكن خائفاً من الضرب…

كان خائفاً من العواقب

كان رين يركض عبر الممر الخلفي للأكاديمية، خطواته سريعة، أنفاسه مضطربة، وكأنه يهرب من شيء يطارده من الداخل.

لم يكن يرى شيئاً حوله…

ولا يسمع سوى صوت قلبه.

لكن خلفه، في نهاية الممر—

كانت سيرا و هارو يقفان في مكانهما، ينظران إليه وهو يمرّ بجانبهما دون أن يلاحظ وجودهما.

سيرا رفعت يدها قليلاً:

"رين…؟"

لكنه لم يلتفت.

لم يتوقف.

لم يسمع.

كان يهرب.

---

بعد ثوانٍ فقط، مرّت مجموعة من الطلاب بالقرب من سيرا وهارو، يتحدثون بصوت مرتفع، غير مدركين أن أخوان ولي العهد يقفان بجانبهم.

"لقد ضربه بقوة!"

"يقولون أن الفتى كاد يفقد وعيه!"

"ولي العهد كان غاضباً بشكل مخيف!"

"كل هذا بسبب فتاة حاول الفتى ضربها!"

تجمدت سيرا.

هارو وضعت يدها على فمها بصدمة.

"ولي العهد…؟"

"هل يعقل…؟"

ثم نظرى إلى الاتجاه الذي هرب فيه رين.

سيرا قالت بصوت منخفض، يكاد يكون همساً:

"لقد رأيناه… كان يهرب."

هارو أضاف وصوته يرتجف:

"وعيناه… لم تكونا طبيعيتين.

سيرا أغلقت يدها بإحكام:

"رين لا يفقد السيطرة.

رين لا يضرب أحداً بلا سبب."

كان رين جالساً تحت الشجرة، ظهره منحنٍ قليلاً، ويداه ترتجفان.

لم يكن يعرف إن كان يرتجف من الغضب… أم من الخوف… أم من الحقيقة التي كان يهرب منها.

أغمض عينيه، واستعاد اللحظة التي رأى فيها يد الفتى ترتفع على ماي.

تلك اللحظة…

شيء ما انفجر داخله.

شيء لم يستطع السيطرة عليه.

شيء لم يشعر به من قبل.

فتح عينيه ببطء، وصوته خرج كهمس:

"لماذا…؟ لماذا غضبت هكذا؟"

لم يكن هناك أحد ليجيبه.

لكن قلبه… كان يصرخ بالإجابة.

رفع رين يده المرتجفة أمام عينيه:

"هذه اليد… تحركت وحدها."

ثم وضعها على صدره، فوق قلبه مباشرة.

"وهذا المكان… يؤلمني كلما فكرت بها."

تذكر نظرة ماي الهادئة.

قوتها.

ثباتها.

كيف وقفت أمام الفتى دون خوف.

كيف لم تهتز.

كيف لم تتراجع.

وتذكر كيف ركضت عندما سمعت أن هيري في خطر…

دون أن تفكر لحظة.

تذكر كيف ركضت مبتعدة... وكيف لم تر شيئاً مما فعله بعدها.

أغمض عينيه بقوة.

"الحمد لله ... أنها لم تر."

لكن هذا لم يخفف شيئاً.

ثم أغلق عينيه، وسمح للحقيقة أن تخرج أخيراً:

"أنا… كنت سأقتل ذلك الفتى لو أنه لمسِك."

توقف.

تنفس بعمق.

ثم قالها بصوت منخفض، لكنه واضح…

صوت شخص لم يعد يستطيع الهرب:

"أنا… أحبك."

قالها وكأنها سقطت من قلبه، لا من لسانه.

---

بعد أن قالها، شعر رين بشيء يضغط على صدره.

ليس ألماً…

بل خوفاً.

"لكن… ماذا لو عرفت؟

ماذا لو رأت ما فعلته؟

هل ستخاف مني؟"

رفع رأسه نحو السماء، وعيناه تلمعان بقلق لم يشعر به من قبل.

اقتربت الخطوات أكثر…

رين رفع رأسه ببطء، وعيناه ما زالتا مضطربتين.

ظهر أمامه هارو أولاً، يقف بثبات، ملامحه جادة، وعيناه مليئتان بالقلق الأخوي الصادق.

وبجانبه سيرا، تنظر إليه بحدة ممزوجة بالخوف عليه.

قالت سيرا بصوت منخفض لكنه قوي:

"رين… ماذا حدث؟"

لم يجب.

خفض نظره إلى الأرض، وكأنه يخاف أن يروه بهذا الضعف.

هارو تقدم خطوة، وصوته كان هادئاً لكنه ثابت:

"رأيناك تركض… وسمعنا ما يقوله الطلاب."

رين شدّ قبضته، وابتلع ريقه بصعوبة.

سيرا جلست أمامه، تحاول النظر في عينيه:

"هل أنت بخير؟"

لم يكن سؤالاً عابراً.

كان سؤال أخت تعرف أن شيئاً كبيراً حدث…

لكنها لا تعرف ما هو.

تنفس رين بعمق، ثم قال بصوت مبحوح:

"أنا… فقط فقدت أعصابي."

هارو رفع حاجبه:

"هذا ليس شيئاً تفعله عادة."

رين أغلق عينيه، وكأنه يتلقى ضربة:

"أعرف."

سيرا وضعت يدها على كتفه:

"هل أحد أزعجك؟ هل حدث شيء خطير؟"

رين هزّ رأسه:

"لا… ليس كما تظنان."

لكن صوته لم يكن مقنعاً.

كان واضحاً أنه يخفي شيئاً…

شيئاً كبيراً.

سيرا تبادلت نظرة مع هارو.

لم يفهما ما الذي حدث…

لكن شيئاً واحداً كان واضحاً:

رين ليس بخير.

هارو جلس بجانبه وقال بهدوء:

"لا نحتاج أن تخبرنا الآن…

لكن لا تهرب وحدك مرة أخرى."

سيرا أضافت:

"نحن هنا… دائماً."

رين أغلق عينيه للحظة، وكأن كلماتهم أعطته شيئاً من الراحة.

لكن في داخله…

كان يعرف الحقيقة التي لن يقولها لأحد:

"أنا فقدت السيطرة… لأجلها."

لم يخطر في بالهما أن الأمر له علاقة بفتاة.

لم يخطر في بالهما أن رين كان على وشك فقدان نفسه بسبب مشاعره.

كل ما رأياه…

هو أخوهما الأكبر في حالة لم يروها من قبل.

وهذا وحده كان كافياً ليقلقهما.

كانت ماي تجلس في غرفتها، تفكر في أحداث اليوم، حين دخلت هيري وهي تحمل كوباً من الشاي.

جلست بجانبها وقالت بصوت خافت:

"ماي… يجب ان اخبرك بشي."

ماي نظرت إليها بقلق:

"ماذا هناك؟"

هيري تنفست بعمق:

"تتذكرين المبارزة اللي فزتِ فيها؟

الشخص اللي بارزك…

كان رين."

ماي اتسعت عيناها:

"رين…؟ من؟

هيري :

انه ولي العهد

"هو اللي جعلِك تفوزين.

كان يختبرك… أو يحميك… لااعرف."

كانت هذه المعلومة وحدها كافية لتهز ماي.

لكن هيري…

لم تخبرها عن الضرب.

لم تخبرها عن غضب رين.

لم تخبرها أنه فقد السيطرة لأجلها.

كانت تخاف أن تصدمها.

في اليوم التالي، كانت ماي في الساحة مع صديقتها ليان.

كانت ليان من النوع الذي يعرف كل الشائعات قبل الجميع.

اقتربت ليان من ماي وقالت بحماس:

"ماي! سمعتِ بما حدث أمس؟"

ماي هزّت رأسها:

"لا… ماذا هناك؟"

ليان خفضت صوتها:

"ولي العهد… ضرب أحد الطلاب."

ماي تجمدت.

ليان أكملت:

"يقولون إنه فعل ذلك… لأن الفتى حاول ضرب فتاة."

ماي شعرت بأنفاسها تتوقف.

ليان اقتربت أكثر:

"والفتاة… كانت أنتِ."

ماي وضعت يدها على صدرها، تشعر بقلبها يضرب بقوة.

"أنا…؟"

ليان أومأت:

"نعم. كل الطلاب يتحدثون عن هذا.

يقولون إن رين كان غاضباً بشكل مخيف…

وأنه فقد السيطرة لأجلك."

ماي لم تعرف ماذا تقول.

منذ ذلك كاليوم، بدأت ماي تسمع كل ما يقال عن رين:

"وسيم."

"قوي."

"لا أحد يجرؤ على مواجهته."

"عيناه جميلة… لكنها مخيفة عندما يغضب."

في الماضي…

كانت لا تهتم.

لا تستمع.

لا تعطي الأمر أي قيمة.

لكن الآن…

كانت تستمع لكل كلمة.

كانت تشعر بشيء جديد…

شيء يشبه الإعجاب…

شيء يشبه الفضول…

شيء يشبه بداية التعلق.

وفي اليوم التالي

كانت الأمطار قد توقفت للتو، والساحة الواسعة ما زالت رطبة، تعكس ضوء الشمس الذهبي على الأرض الحجرية.

ماي كانت تمرّ من هناك بالصدفة... أو هكذا كانت تظن.

لكن عندما سمعت صوت السيوف يضرب

بعضها ...

توقفت.

رفعت رأسها.

ورأته.

رين.

كان في وسط الساحة، وحده تقريباً، يتدرب بكل قوته.

معطفه الملكي معلق على السياج، وكم قميصه الأبيض مرفوع حتى مرفقه، وقطرات الماء ما زالت على شعره.

ماي شعرت بقلبها يهبط

أثناء التدريب، انزلق السيف من يد رين بسبب

الأرض المبللة.

بدل ما يتوتر...

ضحك.

ضحكة صادقة، دافئة، مليانة حياة.

ثم انحنى والتقط السيف، ومسح الماء عن جبينه بیده، وقال لنفسه

"أعيدها ... لا تظن اني سا اسمح لك با الفوز انا فقط انزلقت بسبب المطر."

ماي وضعت يدها على فمها حتى ما يطلع صوتها.وتحاول تخفي ارتباكها.

نظرت للساحة، ثم همست لنفسها بصوت خفيف

"السماء... جميلة اليوم."

مع إنها ما كانت تطالع السماء أصلاً.

كانت تطالع رين

بعد يوم طويل في الأكاديمية، عاد رين مع سيرا و هارو

وعندما وصلوا إلى القصر، وقف رين أمام والده الملك، واستمع للأوامر:

"رين… ستقود جزءاً من الجيش في الحملة القادمة."

لم يتردد.

لم يناقش.

لم يطلب وقتاً.

قال فقط:

"أفهم."

بعد الاجتماع، تبعته سيرا وهارو إلى غرفته.

سيرا قالت بقلق واضح:

"رين… الحرب ليست بسيطة. أنت لست في حالة جيدة الآن."

هارو أضاف بصوت جاد:

"أنت غاضب… مضطرب… وهذا ليس وقتاً مناسباً للذهاب."

لكن رين لم يلتفت إليهما.

فتح خزانته، أخذ درعه، وبدأ يستعد.

قال بصوت منخفض لكنه حاسم:

"هذا واجبي… ولن أهرب منه."

سيرا حاولت مرة أخرى:

"رين… على الأقل خذ وقتك. أنت لست مضطراً للذهاب الآن."

لكنه أغلق درعه وقال:

"قراري نهائي."

كان رين يمتطي حصانه، وصديقه المقرب كايل يسير بجانبه.

كايل كان الوحيد الذي يعرف رين منذ الطفولة…

ويعرف متى يكون رين بخير، ومتى يكون على وشك الانفجار.

قال كايل وهو ينظر إليه بقلق:

"رين… أنت لست نفسك.

أخبرني… لماذا فقدت السيطرة في الأكاديمية؟"

رين لم يجب.

كايل ضحك بخفة:

"هل الأمر… له علاقة بتلك الفتاة؟"

توقف رين للحظة.

ثم قال بصوت منخفض:

"نعم."

كايل اتسعت عيناه:

"إذن لماذا لا تعترف لها؟"

رين نظر إلى الأمام، إلى السماء التي بدأت تغرب، وقال:

"سأعترف… عندما أعود."

كايل ابتسم:

"وأنت متأكد أنها ستنتظرك؟"

رين أخرج شيئاً صغيراً من جيبه…

خاتم.

خاتم بسيط…

لكن حجره كان بلون ناعم.

رفع رين الخاتم أمام الضوء وقال:

"سأخطبها من أهلها عندما أعود."

ثم همس في نفسه، دون أن يسمعه كايل:

"اخترت هذا الخاتم…

لأن لونه يشبه لون عينيك الجميلتين يا ماي."

كانت ماي في ساحة الأكاديمية، تحمل كتبها بين يديها، تمشي بخطوات هادئة كعادتها.

الطلاب حولها يتحدثون بصوت مرتفع، لكن شيئاً ما في الجو كان مختلفاً… ثقيلاً… غريباً.

سمعت همسات متقطعة:

"الحرب بدأت…"

"ولي العهد… غادر الفجر…"

"رين… يقود الجيش بنفسه…"

توقفت ماي.

كأن الهواء تجمّد حولها.

التفتت نحو مجموعة من الطلاب، أحدهم قال بصوت منخفض:

"سمعت أن ولي العهد غادر الليلة الماضية… ذهب للحدود الشرقية."

ماي شعرت بقلبها يهبط.

لم تفهم لماذا… لكنها شعرت بوخزة حادة في صدرها.

اقتربت منها ليان، صديقتها، وقالت بقلق:

"ماي… هل سمعتي؟ رين… ذهب للحرب."

ماي لم ترد.

عيناها اتسعتا ببطء، وكأنها تحاول استيعاب الكلمات.

"الحرب…؟"

ليان أومأت:

"نعم. غادر قبل شروق الشمس. لم يخبر أحداً… حتى أساتذة الأكاديمية تفاجؤوا."

ماي شعرت بأنفاسها تضطرب.

لم تكن تعرف لماذا يؤلمها الخبر بهذا الشكل…

لكنها شعرت وكأن شيئاً انتُزع من مكانه داخلها.

رفعت يدها إلى صدرها، تضغط بخفة، وكأنها تحاول تهدئة قلبها.

همست لنفسها:

"لماذا… لم يخبر أحداً؟"

ثم تذكرت…

ضحكته في الساحة.

صوته وهو يقول:

"أعيدها… لا تظن إني راح أسمح لك بالفوز."

تذكرت كيف كان ينظر إليها…

وكيف كانت تنظر إليه دون أن تعترف.

ليان وضعت يدها على كتفها:

"ماي… هل أنتِ بخير؟"

ماي ابتسمت ابتسامة صغيرة… لكنها كانت ابتسامة مكسورة:

"أنا… فقط تفاجأت."

لكن الحقيقة؟

لم تكن مجرد مفاجأة.

كان خوفاً.

قلقاً.

شيئاً يشبه الألم…

وشيئاً يشبه الاعتراف الذي لم تقله بصوت.

كانت ساحة الحرب تشتعل بالنار والدخان، وصوت السيوف يضرب الهواء كأنه عاصفة من الحديد.

رين كان في المقدمة، يقاتل بكل ما يملك، كأن قلبه نفسه يقاتل معه.

كايل كان بجانبه، يصرخ وسط الفوضى:

"رين! تمسّك! لا تتقدم وحدك!"

لكن رين لم يسمع شيئاً سوى صوت المعركة…

ضربة قوية جاءت من الخلف، اخترقت درعه، وارتج جسده بالكامل.

كايل صرخ:

"رييييين!!"

أمسك رين كتفه، الدم ينزف بين أصابعه، لكنه استمر بالقتال لثوانٍ…

ثم بدأت قدماه تضعفان.

كايل هرع إليه، أسقط جندياً كان يهاجم رين، ثم أمسكه قبل أن يسقط على الأرض.

"رين! لا تغمض عينيك! اسمعني!"

رين ابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة، ورفع يده المرتجفة…

وفي راحته كان هناك الخاتم.

الخاتم الذي اختاره لماي.

مدّه بصعوبة نحو كايل:

"كايل… إذا… إذا لم أعد…"

كايل هزّ رأسه بقوة، الدموع تتجمع في عينيه:

"لا! لا تقل هذا! ستعود! ستعود بنفسك!"

رين همس بصوت ضعيف، يكاد لا يُسمع وسط ضجيج الحرب:

"أعطه… لها…"

ثم أغمض عينيه.

جسده أصبح ثقيلاً بين ذراعي كايل.

كايل صرخ، صرخة قويه :

"رييييييييييين!!!"

ركع على الأرض، يحتضن جسده، والدماء حولهما تمتزج بالطين.

الجنود من حوله توقفوا للحظة، ثم بدأوا يصرخون:

"ولي العهد… مات!"

كايل لم يسمع شيئاً.

كان يبكي، يهزّ رين، يصرخ باسمه، يرفض الحقيقة.

"لا… لااااا… رين… لا تتركني…!"

الدخان غطّى المكان.

الأعداء كانوا يقتربون ببطء…

کایل مسح دموعه بسرعة، ثم صرخ:

"سامحني... سامحني يا رين..."

ثم نهض فجأة، وركض مبتعداً ... ركض وهو يلهث، وهو يبكي، وهو يهرب من الحقيقة التي لم يستطع تحملها.

ركض...

وترك رين خلفه

More Chapters