لم يكن الأرشيف مجرد غرفة...
كان أشبه بمقبرة.
مقبرة للأفكار القديمة، والقضايا المنسية، والأخطاء التي لم يُسمح لأحد بتذكرها.
دخل آدم ببطء، وأغلق الباب المعدني خلفه بقوة، كما لو كان يعلن أن ما سيتم اكتشافه هنا... لن يفلت بسهولة.
وقفت ليلى خلفه، تنظر حولها بعصبية.
"لم أزر هذا المكان من قبل."
أجاب دون أن يلتفت: "لأنك لا يجب أن تكون هنا".
كانت الأضواء خافتة، والهواء بارداً بشكل غير طبيعي. امتدت صفوف الخوادم بلا نهاية، يحتوي كل منها على آلاف العقول... آلاف القصص... آلاف الأسرار.
قال آدم: "كل شيء مخزن هنا. كل فكرة، كل نية، كل خطأ".
ثم أضاف بصوت منخفض: "حتى الأشياء التي لا يريدون لأحد أن يتذكرها".
اقترب من لوحة تحكم قديمة، على عكس بقية الأنظمة الحديثة.
"هذا القسم... غير متصل بالشبكة العامة."
سألت ليلى: "لماذا؟"
فأجاب:
"لأنه يحتوي على ملفات... لا ينبغي رؤيتها."
بدأت الشاشة تضيء ببطء، كما لو كانت تستيقظ من سبات طويل.
كتب آدم كلمة واحدة:
"الصامتون".
تتجمد الشاشة لبضع ثوانٍ.
ثم ظهر تحذير:
"يتطلب الوصول إلى هذا الملف إذنًا من مستوى أعلى."
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة... لكنها لم تكن مطمئنة.
"حسنًا... لنطلب الإذن."
مدّ يده وأدخل رمزاً يدوياً.
نظرت إليه ليلى بدهشة:
"كيف…؟"
قال بهدوء،
"لأنني كنت هنا من قبل."
ظهر الملف.
وبمجرد افتتاحه...
شعرت ليلى بشيء غريب.
لست خائفاً...
لكن الفراغ.
قائمة طويلة من الأسماء.
تم شطب بعضها.
كان بعضهم مفقوداً.
وبعضها...
تم تمييزها بلون مختلف.
قالت ليلى:
"ماذا يعني هذا؟"
اقترب آدم من الشاشة، وكانت عيناه تتنقلان بسرعة بين الأسماء.
"هؤلاء... أشخاص تم تصنيفهم على أنهم... غير قابلين للقراءة."
"غير قابل للقراءة؟"
"نعم... النظام لا يستطيع قراءة أفكارهم."
صمتت ليلى لبضع ثوانٍ.
ثم قالت:
"هذا مستحيل."
فأجاب:
"كان الأمر كذلك في السابق."
وأشار إلى اسم في القائمة.
"هنا…"
ظهرت معلومات الشخص:
"تم الكشف عن نشاط دماغي غير طبيعي."
"انخفاض حاد في إشارات التفكير."
"الحالة: فارغة."
همست ليلى،
"فارغ…؟"
نهض آدم ببطء، كما لو كان يحاول استيعاب ما يراه.
"ليس غياب التفكير... بل شيء آخر."
"ماذا؟"
نظر إليها.
"يبدو الأمر كما لو أن... التفكير قد تم إيقافه عمداً."
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في عمودها الفقري.
"هل تقصد أن بإمكان شخص ما... إيقاف أفكاره؟"
لم يُجب على الفور.
نقر على ملف آخر.
ظهر تسجيل قديم.
غرفة مظلمة.
جلس عدة أشخاص في دائرة.
كانت وجوههم غير واضحة.
لكن صوتًا واحدًا كان واضحًا جدًا:
"الفكر هو القيد الأول..."
ثم صوت آخر:
"والأخير."
قال الصوت الأول:
"إذا كنت تريد أن تكون حراً... فلا تفكر."
تجمدت ليلى.
"من هؤلاء الناس؟"
لم يُجب آدم.
كانت عيناه مثبتتين على الشاشة.
ثم حدث شيء غريب.
الصوت في التسجيل...
تم التغيير.
نقترب أكثر.
أوضح.
وجاء فيه:
"أنت تعرف هذا يا آدم."
توقف قلبه للحظة.
قالت ليلى: "هل سمعتِ ذلك؟"
لكنها لم تنتظر إجابة.
كانت تعلم.
ضغط آدم بسرعة لإيقاف التسجيل.
لكن الشاشة لم تستجب.
وتابع الصوت:
"لم تنسَ الأمر... لقد تجاهلته فحسب."
بدأت الصور تتداخل.
ذكريات.
وجوه.
صوت…
نفس الصوت.
"لقد تعلمت كيف تصمت... كيف تفرغ نفسك..."
تراجع آدم خطوة إلى الوراء.
"توقف عن ذلك!"
صرخ.
لكن الفني لم يكن موجوداً.
لم يكن هناك أحد آخر.
أصبحت الشاشة سوداء.
ثم ظهرت جملة واحدة:
"أنت واحد منا."
انطفأت الأنوار للحظة.
ثم عادوا للعمل.
الصمت.
كانت ليلى تنظر إلى آدم... كما لو أنها تراه للمرة الأولى.
"آدم... ما هذا؟"
لم يُجب.
كان يتنفس بصعوبة.
كانت يداه ترتجفان.
ثم قال ببطء:
"الفراغ... ليس حالة."
نظر إلى الشاشة مرة أخرى.
ثم تابع قائلاً:
"إنها... مهارة."
تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء:
"ماذا يعني ذلك؟"
أغمض عينيه للحظة.
ثم قال:
"هذا يعني... أن هناك أشخاصاً يستطيعون... إيقاف عقولهم."
"ولكن لماذا؟"
فتح عينيه.
وكان هناك شيء جديد فيهم.
شيء مظلم.
"لذا لا يستطيع النظام رؤيتهم."
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت ليلى بهدوء:
"وهل تعتقد... أن القاتل واحد منهم؟"
رفع آدم رأسه ببطء.
ثم قال:
"لا."
تجمدت في مكانها.
"ثم... ماذا؟"
اقترب من الشاشة ولمس اسمه في القائمة.
قال:
"أعتقد... أن القاتل... يعرفني."
وفي تلك اللحظة...
عاد الصوت.
لكن هذه المرة...
لم يأتِ من الشاشة.
لقد نبع ذلك من داخل رأسه:
"أنا لا أعرفك فحسب..."
تجمد آدم.
"...أنا أنت."
