كان الممر خارج غرفة خالد يبدو أبرد من ذي قبل.
لم يكن هذا البرد المعتاد الناتج عن تكييف هواء المستشفى. لم يكن البرد النظيف المعقم الذي يلتصق بالأرضيات المصقولة والدرابزينات المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ. بل كان بردًا أعمق، من النوع الذي بدا وكأنه يتسلل عبر جلد مريم ويستقر في عظامها، ثقيلًا لا يرحم. كانت أضواء الفلورسنت فوق رأسها تُصدر أزيزًا خافتًا، ووهجها الباهت يُطمس كل لون في العالم. جدران بيضاء. معاطف بيضاء. أبواب بيضاء.
أبيض جداً.
وكأن المكان بأكمله قد جُرِّد من الرحمة.
وقفت مريم في منتصف الممر كأنها امرأة على وشك الانهيار. كان تنفسها قد فقد إيقاعه منذ زمن. كل شهيق كان أشبه بصوت حفيف، وكل زفير كان يرتجف. كانت أصابعها مخدرة، لكنها لم تلاحظ ذلك إلا بعد أن أمسكت الطبيب من مقدمة معطفه الأبيض.
"كيف؟" انقطع صوتها عند نطق الكلمة.
هزته.
لم تكن قاسية بما يكفي لإيذائه حقاً. قاسية بما يكفي لكشف مدى تحطمها التام.
"كيف؟!" صرخت مجدداً، والدموع تنهمر على وجهها بلا توقف. كانت عيناها المحمرتان تحترقان من شدة الذهول والإذلال والألم المبرح لمحو ذكراها وهي لا تزال على قيد الحياة. "كيف يتذكر الجميع باستثنائي؟ أخبرني - أي نوع من اللعنة هذه؟ أي نوع من اللعنة القاسية يمحو ذكري وحدي من ذاكرته وكأنني لم أكن موجودة قط؟"
اشتدت قبضتها. وتجعد قماش معطفه تحت قبضتيها.
للحظة، تغير وجه الطبيب - ليس تعاطفاً، بل بتلك المهنية الهادئة والمستفزة التي لم تزد الحزن إلا بشاعةً. حاول بحذر أن يحرر نفسه من يديها المرتجفتين، وكانت حركاته محسوبة ومدروسة.
"سيدتي، من فضلكِ." ظل صوته منخفضاً، متحكماً. متحكماً أكثر من اللازم. "عليكِ أن تهدئي."
ضحكت مريم.
لم يكن ضحكاً. بل كان صوتاً ممزقاً انفجر من صدرها، لأنها إن لم تطلقه، فقد تصرخ حتى ينزف حلقها.
همست قائلة: "اهدئي؟" ثم رفعت صوتها مرة أخرى. "زوجي ينظر إليّ وكأنني غريبة، وأنتِ تطلبين مني أن أهدأ؟"
تمكن الطبيب أخيراً من فك إحدى يديها من معطفه. "هذه حالة فقدان ذاكرة رجعي حاد."
سقطت الكلمات بسلاسة.
ببرود.
وكأن تسمية الكارثة تجعلها أصغر حجماً.
حدقت مريم به وهي ترتجف.
وتابع حديثه، محافظاً على هدوئه المثير للغضب: "لقد تراجع عقله خمس سنوات إلى الوراء وتوقف عند هذا الحد. بالنسبة له، لم تدخلي حياته بعد."
كانت كل جملة أشد وقعاً من سابقتها.
خمس سنوات.
ليس بضعة أيام. ليس شهراً. ليس ارتباكاً يمكن تهدئته بالصبر والدفء.
خمس سنوات.
قبل خمس سنوات، لم تكن قد أصبحت زوجته بعد. لم تكن قد بنت معه منزلاً بعد. لم تكن قد أصبحت بعد المرأة التي كان يمد يده إليها في نومه، المرأة التي كانت تعرف كيف يشرب قهوته، المرأة التي حفظت ملامح وجهه في الفرح والغضب والإرهاق.
بالنسبة له، لم تكن شيئاً.
بدا الممر وكأنه يميل.
انفصلت أصابع مريم ببطء عن معطف الطبيب.
قال الطبيب: "هناك احتمال أن تعود ذاكرته، لكن أي ضغط نفسي في الوقت الحالي قد يسبب مضاعفات خطيرة، وربما تراجعاً دائماً. يجب أن تتحلى بالصبر".
مريض.
تلك الكلمة مرة أخرى.
ومرة أخرى، أُلقيت عليها تلك الكلمة التي لا تُطاق وكأنها شيء مفيد.
انفرجت شفتاها، لكن لم يخرج منها أي صوت.
ما الذي كان من المفترض أن يفعله الصبر في مواجهة هذا؟
كيف كان من المفترض أن تنتظر بينما يجلس نسخة أخرى من زوجها في تلك الغرفة وينظر إليها كما لو كانت هواءً؟
عدّل الطبيب معطفه، وسوّى الياقة التي كانت قد لوىَتها، وألقى عليها نظرة أخيرة حازمة. "لا تُثيريه. دعيه يرتاح. قد يُساعده وجود أشخاص مألوفين وبيئة مستقرة."
أشخاص مألوفون.
استقرت العبارة في صدرها كالزجاج.
لأنها فهمت ما كان يقصده.
وكانت تعلم بالفعل أنها لم تعد واحدة منهم.
عندما فتحت مريم باب غرفة المستشفى مرة أخرى، شعرت وكأنها تدخل إلى بقايا حياة لم تعد تنتمي إليها.
كانت خطواتها بطيئة.
غير حذر. ميت.
كانت الغرفة هادئة باستثناء صوت تنبيه خافت من جهاز المراقبة وهمسات متقطعة من الممر الخارجي. تسلل ضوء الشمس الخافت عديم اللون عبر الستائر، راسماً خطوطاً رفيعة على السرير.
كان خالد جالساً.
كان رأسه ملفوفاً بالكامل تقريباً بضمادات بيضاء، طبقة تلو الأخرى، مما حوّل هيئته القوية المألوفة إلى شيءٍ مُشوّهٍ وغريب. جعلت الضمادات وجهه يبدو أكثر حدةً، وأكثر قسوة. أو ربما كان ذلك مجرد تعبير وجهه.
لأن الدفء الذي عرفته قد رحل.
ما تبقى كان صعباً.
كانت حواجبه معقودة في عبوس عميق وعنيف. كان فكه مشدودًا. ونظراته، حين تتحرك، كانت تحمل نفاد صبر واستياءً واضحًا. كان هناك شيء في طريقة جلوسه - جامدًا، ساكنًا، ساخطًا - يذكرها بشكل عبثي ومؤلم بطفل معاقب أُجبر على الصمت في زاوية غرفة، غاضبًا من العالم لإذلاله.
لكن لم يكن هناك شيء طفولي في قوة استيائه.
كان هذا خالد.
وحتى تعاسته كان لها وزنها.
توقفت مريم داخل الغرفة مباشرة.
للحظة خاطفة، سمحت لنفسها بالأمل أن يكون الطبيب مخطئًا. ربما رؤيتها مجددًا ستُثير شيئًا ما. ومضةً ما. غريزةً أقدم من الذاكرة.
رفع خالد عينيه.
رأيتها.
وازداد عبوسه.
حدث ذلك على الفور. وبحدة. كما لو أن وجودها بحد ذاته أزعجه لأسباب لم يستطع تحديدها.
انقطع نفس مريم.
انتفضت قبل أن تتمكن من السيطرة على نفسها، وتراجعت خطوةً لا إراديةً إلى الوراء. لم تكن النظرة التي ألقاها عليها حيرةً الآن، بل كانت أسوأ. لقد حملت نفورًا شديدًا، ورفضًا غريزيًا صدمها بقوة صفعة.
انقبض قلبها بشدة لدرجة أنها شعرت بشعور جسدي.
تلك النظرة—
لم يكن الأمر مجرد فراغ غريب.
كان العداء نابعاً من شخص عالق في موقف لا يفهمه، ومجبر على تحمل وجه جعله يشعر بعدم الارتياح.
خفضت مريم عينيها لثانية واحدة، ثم أجبرت نفسها على رفعهما مرة أخرى. وانقبضت أصابعها بلا جدوى على جانبيها.
"خالد..." بدأت حديثها بهدوء.
لم يتغير تعبير وجهه.
بل على العكس، ازداد وجهه انقباضاً.
ازداد الصمت بينهما ثقلاً، وكان صمتاً قبيحاً ومهيناً.
قبل أن تتمكن من المحاولة مرة أخرى، انفتح الباب.
دخل والداه في حالة من القلق والارتياح.
تغير كل شيء.
كان التغيير الذي طرأ على خالد فورياً لدرجة أن مريم شعرت بالفرق في بشرتها.
خفّت حدة تعابيره الجامدة قليلاً. ليس تماماً. لم تتحول إلى دفء. ولكن بما يكفي. بما يكفي لإظهار أن عقله قد تعرف عليها، وتقبّلها، وسعى إليها بثقة فطرية.
"أمي... أبي..."
كان صوته لا يزال متعباً، ولا يزال خشناً بسبب الإصابة، لكنه كان يحمل شيئاً حقيقياً الآن. شيئاً حياً.
قال وهو يزفر كرجل انتظر طويلاً في غرفة مليئة بالغرباء: "أخيراً".
هرعت والدته إليه على الفور، والدموع تملأ عينيها. تجهم وجه والده وهو يكتم مشاعره. تلت ذلك أسئلة، ثم كلمات تطمين. ذلك النوع من الحنان المفعم بالحيوية الذي ينتاب العائلة عندما لا يزال الخوف يسيطر على كيانها.
وقفت مريم ساكنة.
لم يطلب منها أحد أن تتنحى جانباً.
لم يكن أحد بحاجة إلى ذلك.
لقد أصبحت غير ضرورية بالفعل.
وبعد ذلك بوقت قصير، وصل المزيد من الزوار.
أصدقاء قدامى.
أصدقاء من خمس سنوات مضت - أولئك الذين كانوا ينتمون إلى نسخة خالد المحاصرة الآن داخل رأسه.
واحداً تلو الآخر، أشرقت علامات الإدراك على وجهه.
ليس فرحاً بالمعنى الحرفي. ليس مع إصاباته وحيرته. بل يقين. ذكرى. تواصل.
نظر إلى أحدهم وعقد حاجبيه بتركيز قبل أن يسميه.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
انطلقت منه ضحكة مكتومة على نكتة قديمة لم تفهمها. سألها عن تفاصيل من سنوات مضت، عن أشخاص، رحلات، أمور عمل، شظايا من حياة توقفت في مكان لم تدخله بعد. احتشد الرجال حول سريره بخفة، وقد خفّت أصواتهم بارتياح. مازحه أحدهم، وأجاب آخر على أسئلته، بينما أثار ثالث حادثة سخيفة من الماضي.
رد خالد.
لقد تذكر.
كان ينتمي إليهم في تلك الذكريات.
وطوال ذلك الوقت، بقيت مريم في أقصى زاوية من الغرفة، هادئة لدرجة أنها كأنها لم تكن موجودة على الإطلاق.
وقفت بالقرب من النافذة، وأمسكّت بطرف كمّها، وشاهدت زوجها ينبض بالحياة أمام الجميع باستثناءها.
لم يتم قياس المسافة بينهما بالخطوات.
تم قياسها بالسنوات.
يُقاس ذلك بكل اللحظات التي لم يعد بإمكانه الوصول إليها.
ويُقاس ذلك بحقيقة لا تُطاق، وهي أنها كانت حاضرة في حياته بينما كانت غائبة تمامًا عن تاريخه.
لم يُعرّفها أحد.
لم يطلب منه أحد أن يبذل جهداً أكبر.
لم يقل أحد: هذه زوجتك.
ربما كانوا يخشون الضغط عليه. ربما كانوا يشفقون عليها كثيراً لدرجة أنهم لم ينطقوا بالكلمة بصوت عالٍ.
أو ربما كانت الحقيقة قاسية للغاية بحيث لا يمكن تكرارها أمام الجميع.
نظرت إليه مريم وهو يجيب على سؤال آخر من أحد أصدقائه، فرأت ارتياحاً طفيفاً في وقفته، ولمحة صغيرة من الذاكرة في عينيه، وشعرت بشيء في صدرها يغوص إلى ما هو أدنى من اليأس.
لو كان بإمكانه تذكر الجميع...
إذن، ما الذي كان من المفترض أن تصدقه؟
هل كان القدر قد اختارها وحدها لمحو آثارها؟
هل كان زواجهما هو الشيء الوحيد الذي رفضه عقله عندما بقي كل شيء آخر؟
أثارت هذه الفكرة شعورها بالغثيان.
وبحلول الوقت الذي ساد فيه الهدوء الغرفة مرة أخرى، كانت مريم قد وصلت بالفعل إلى نهاية ما يمكن أن يتحمله الأمل.
كانت بحاجة إلى شيء ما.
أي شئ.
طريقة لتخفيف معاناته.
وجه مألوف.
كان خيط من ذلك الجزء المفقود من حياته قوياً بما يكفي لتثبيته، وربما حتى مساعدته على التعافي بشكل أسرع.
وهكذا، وفي غمرة يأسها، اتخذت أسوأ قرار يمكن أن يتخذه قلبها المكسور.
أحضرت سارة.
عندما فُتح الباب ودخلت سارة، تغير الهواء في الغرفة فجأة لدرجة أنه كاد يجعل مريم تترنح في مكانها.
كانت سارة هادئة، أنيقة، ومرتبة بشكل مثالي، بطريقة بدت قاسية نوعًا ما داخل غرفة المستشفى المليئة بالمعاناة. نقرت كعباها برفق على الأرض قبل أن تتوقف. كان تعبير وجهها متحكمًا فيه، والقلق ظاهرًا على ملامحها.
قالت مريم لنفسها إن هذا من أجل خالد.
فقط من أجل خالد.
إذا تعرف على سارة، وإذا كان رؤية شخص من تلك المرحلة من حياته يريحه، فبإمكانها تحمل الباقي. بإمكانها أن تبتلع أي شيء إن كان ذلك سيساعده.
لم تكن مستعدة لما حدث بالفعل.
لأن خالد ابتسم في اللحظة التي رأى فيها سارة.
ليس بشكل خافت.
ليس بأدب.
ابتسم ابتسامة عريضة وسريعة، وشعر بارتياح شديد أضاء وجهه المتعب بطريقة كانت مريم تتوسل لرؤيتها طوال اليوم.
لثانية واحدة مدمرة، بدا وكأنه عاد إلى طبيعته تقريباً.
على قيد الحياة.
مشتاق.
مشرقة بمشاعر مفاجئة.
توقفت مريم عن التنفس.
أصبحت حواف الغرفة ضبابية.
مدّ خالد يده نحو يد سارة دون تردد، وكانت حركته ملحة رغم الضعف الذي لا يزال يعتري جسده. تشبثت أصابعه بأصابعها هناك، أمام عيني مريم، أمام الصمت، أمام خراب كل شيء.
خرج صوته خشناً لكنه متلهف، متأثراً بنوع غريب من العاطفة القلقة.
"سارة... أين كنتِ؟"
انغرست أصابع مريم في راحة يدها بشدة لدرجة أن أظافرها خدشت الجلد.
لم ينظر إليها خالد.
لم ألحظها.
ظل تركيزه كله منصباً على المرأة التي كان يمسك بيدها كما لو كانت هي الحل لجزء مفقود من العالم.
ثم تكلم مرة أخرى، وكل كلمة منه كانت تزيد من حدة الألم.
قال بسرعة، وكأن طمأنتها أولاً أهم من إصابته: "لا تقلقي، لن يؤثر الحادث على موعد زفافنا، أليس كذلك؟"
ساد الصمت أرجاء الغرفة.
لم يتحرك أحد.
لم يتكلم أحد.
وقفت مريم جامدة في زاويتها، وقد شحب وجهها تماماً. لم تبدُ الكلمات حقيقية في البداية. كانت تطفو في الهواء، مستحيلة وفاحشة، رافضة أن تصبح ذات معنى.
موعد زفافنا.
زوجها.
زوجها.
الرجل الذي شاركت معه الفراش، والمنزل، والحياة—
جلست على سرير المستشفى ممسكة بيد امرأة أخرى وتسأل عن حفل زفاف لا ينبغي أن يكون موجوداً.
كان الصوت الذي خرج من مريم خافتاً لدرجة أنها بالكاد سمعته بنفسها.
شهيق متقطع.
لا شيء أكثر من ذلك.
لكن في داخلها، انهار شيء عظيم وحيوي.
ليس دفعة واحدة.
ليس في هجمة واحدة نظيفة.
انهار ببطء، مثل منزل متصدع من المنتصف، كل عارضة محطمة تسقط تحت وطأة ما لم تعد قادرة على تحمله.
ومع ذلك، لم ينظر إليها خالد.
ومع ذلك، أبقى عينيه على سارة، منتظراً إجابة.
كما لو أن المرأة الواقفة بجانب النافذة، شاحبة ومرتجفة وقد دُمرت جزئياً، لم تكن سوى جزء من الأثاث في غرفة كانت تُحب فيها.
-----------
